القاضي يغلق القاعه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

كنت في الشهر الثامن، ماشية رايحة المحكمة عشان أطلق.. بس لما خطيبت جوزي مدت إيدها عليا قدام الكل، القاضي أمر فوراً بقفل القاعة ومنع أي حد يخرج.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة هي وقفتي لوحدي في محكمة الأسرة.
حامل في الثامن، جسمي مورم ووجعني، وبحاول أصلب طولي وسط زحمة ناس غريبة، كل واحد ماسك ورقه زيي. الطلاق مش دايماً خناق وزعيق، ساعات بيبقى هدوء مميت واستنزاف للروح؛ فواتير مرمية على الترابيزة نص الليل، ليالي بتقضيها على كنبة عند حد من قرايبك، وإحساس مبيفارقكيش إن الحاجة الوحيدة اللي باقية لك هي الحتة اللي بتتحرك في بطنك.
في الصباح ده، قلت لنفسي إني هستحمل الإهانة.. ما أنا أصلاً عديت من جحيم الجواز.
جوزي، كريم السيوفي، كان من نوعية الرجالة اللي الناس بتثق فيهم من أول نظرة. مدير ناجح، لبق، ووشه منور في كل الجمعيات الخيرية. كان بيعرف يمثل دور الراجل الكريم، الحنين، اللي مبيغلطش.
بس في البيت؟ الوضع كان تاني خالص.
الحنية كانت بتمن، والسكوت له عواقب، والفلوس كانت وسيلة سيطرة. كل قرش بصرفه كان بيتحول لدليل إني عالة عليه.
حتى اللحظة دي، مكنتش رايحة عشان أنتقم.
كنت عايزة بس حقي.. مصاريف ابني، واتفاق عدل في الشقة اللي هي حقنا إحنا الاتنين قانوناً. كنت محتاجة استقرار مش رفاهية، مكان آمن أولد فيه ابني وأنا عارفة هننام فين بكره.
بس كدة.
وفجأة دخل كريم.
بدلة شيك جداً، ملامح هادية، ولا كأنه في محكمة.. كأنه في اجتماع شغل.
وجنبه كانت فوزية، زميلته في الشغل، مخزن أسراره، والست اللي كان بيخوني معاها.
كانت ماسكة في دراعه بتبجح، لابسة على سنجة عشر،

وواقفة بمنتهى الثقة ولا كأنها عاملة حاجة غلط. مفيش حد فيهم كان مكسوف.
وده اللي خلى معدتي تقلب.
مش عشان الخيانة، لأني عارفاها.. بس عشان البجاحة اللي بيعرضوا بيها علاقتهم.
قعدت لوحدي، حاضنة ملف فيه صور السونار، وفواتير متأخرة، ورسايل كنت مكسوفة أوريها لأي حد، وشوية ملاحظات عن ليالي سودة حلفت إني منساهاش.
المحامي بتاعي مجاش.
في آخر لحظة، حصل تغيير في الجدول، والجلسة بدأت من غيره.
ساعتها فهمت كل حاجة.
هو اللي رتب لكل ده.. كان عايزني أبقى هناك لوحدي، ضعيفة ومكسورة.
كريم قرب مني لما لقى مفيش حد باصص، وهمس لي ببرود
وقعي وخلصينا.. وامشي من هنا وإنتي حامدة ربنا إنك هتطلعي بأي حاجة أصلاً.
ابني رفس تحت ضلوعي.. الحركة دي كانت الحاجة الوحيدة اللي مخلياني صامدة.
قلت له بصوت واطي أنا مطلبتش غير حقي.
فوزية ضحكت بصوت عالي عشان الكل يسمع، وبصت لي من فوق لتحت باحتقار
حقك؟ إنتي دبستيه في الحمل ده عشان تكتفيه.. المفروض تشكري ربنا إنه مسابكيش تشحتي في الشوارع.
حاجة جوايا انكسرت..
قلت وصوتي بيترعش متجبيش سيرة ابني على لسانك.
ضحكتها اختفت، وفجأة، ومن غير ما استوعب، لقيت إيدها بتنزل على وشي قلم رن في القاعة كلها.
الوجع سمع في جسمي كله، ودقت طعم الدم في بقي. إيدي اتنفضت وحطيتها على بطني فوراً.
الدنيا كلها وقفت.
محدش نطق.. لا كريم، ولا هي، ولا المحامين، ولا حتى العساكر.
وفجأة، كريم ضحك ضحكة مكتومة وقال
شايفين؟ أهو ده اللي كنت عايش معاه.. هي دي عصبيتها.
بمنتهى البساطة، الإحراج اختفى وحل مكانه حاجة أوحش بكتير.
حسيت إني شفافة، ماليش وجود. واحدة حامل
بتتضرب قلم في وسط المحكمة، وهو بيحول الموضوع لقصة ضدي!
بصيت لإيدي اللي بتترعش والملف اللي بيتهز في حضني.
ساعتها القاضي رفع عينه.
لحد اللحظة دي، كان بيتعامل مع القضية إنها روتينية وزي غيرها.
بس دلوقتي، كان باصص لي أنا.. ملامحه اتغيرت تماماً.
وفجأة وشه بقى شاحب، وسحب ورقة من قدامه حاجة مكنتش واخده بالي منها وإيده ضغطت عليها بقوة.
القاعة سكتت خالص، وفوزية بدأت تتوتر وتقف بضيق.
القاضي اتكلم، وصوته كان واطي بس زي الرعد
يا عسكري.. اقفل أبواب القاعة فوراً. ممنوع أي حد يخرج.
ثقة كريم اتهزت في ثانية، وقلبي بدأ يدق بجنون.
لأن القاضي فضل باصص لي بنظرة غريبة، كأنه اكتشف سر خطير مفيش حد في القاعة فاهمه غيره..
وبعدها نطق اسمي بالكامل بلهجة كلها هيبة وتحدي.
القاضي نطق اسمي الرباعي بصوت مسموع، وبص ل كريم نظرة خلت ركبه تخبط في بعضها.
إنت تعرف المدعية دي تبقى بنت مين يا أستاذ كريم؟ القاضي سأل السؤال وهو بيسند ضهره لورا، وعينه منزلتش من عليه.
كريم بلع ريقه وبص لي باستخفاف وقال يا سيادة القاضي، دي واحدة كانت شغالة عندي، واتجوزتها شفقة، وزي ما حضرتك شايف.. بيئة وعنيفة وعايزة تبتزني.
القاضي ضحك ضحكة سخرية هزت القاعة، ورفع الورقة اللي في إيده بيئة؟ دي الورقة اللي لسه واصلة لي حالا.. إخطار من رئاسة التفتيش القضائي ومن مكتب وزير العدل شخصياً. المدعية اللي إنت اشفقت عليها دي، تبقى بنت المستشار محمود الشافعي.. أستاذي ومعلمي، اللي كان رئيس المحكمة دي من عشر سنين قبل ما يتوفى.
الدنيا لفت بكريم، وفوزية اللي كانت واقفة تتنطط، وشها بقى لونه أزرق. أنا
نفسي كنت مذهولة.. أنا عمري ما قلت لكريم عن عيلتي الحقيقية، لأني كنت هربانة من قيودهم وعايزة أثبت إني أقدر أعيش لوحدي، وهو استغل وحدتي دي أسوأ استغلال.
القاضي كمل بصوت حاد
أنا مكنتش هعرف لولا إن المحامي بتاعها اللي اتأخر، بعت مذكرة عاجلة بيوضح فيها إنها بتتعرض لتهديد وتلاعب في أوراق القضية من طرفك، وبما إن والدها له حق علينا.. فالمحكمة مش بس هتطلقها، المحكمة هتقلب القاعة دي لنيابة تحقيق.
بص القاضي للعسكري وقال
اتحفظ على الست اللي مدت إيدها دي.. اعتداء داخل حرم المحكمة، وجناية ضرب سيدة حامل. أما الأستاذ كريم.. فكل العقود اللي قدمتها ومضيّتها عليها بالإكراه، هتتراجع ورقة ورقة.
كريم حاول يتكلم يا سيادة المستشار، أنا..
القاضي قاطعه بخبطة شاكوش هزت المكان ولا كلمة! إنت هنا مش مدير تنفيذ، إنت هنا متهم. الجلسة دي مش هتخلص غير وحق بنت المستشار محمود واصل لها لغاية عندها، وبالقانون.
في اللحظة دي، حسيت إن الوجع اللي في وشي اختفى. بصيت لكريم وهو مكلبش بين العساكر، وبصيت لفوزية وهي بتنهار وبتعيط وتطلب السماح. ابني رفس تاني، بس المرة دي حسيت إنها رفسة نصر.
القاضي بص لي بحنية وقال متخافيش يا بنتي.. اللي خلف ممتش، وحقك هيجيلك تالت ومتلت وأنا اللي هبقى وكيلك في القضية دي.
خرجت من القاعة وأنا سانده ضهري، مش مكسورة زي ما دخلت، لكن مرفوعة الراس.. وفي إيدي ورقة واحدة، بس المرة دي كانت ورقة حريتي.
القاضي مسبش فرصة لكريم يفتح بقه، وشاور لكاتب الجلسة اثبت عندك يا ابني واقعة الاعتداء بالضرب من المدعوّة فوزية على المدعية داخل القاعة، واثبت كمان
إقرار المدعى عليه كريم السيوفي بالضحك والتحريض على الإهانة.
كريم
تم نسخ الرابط