وصية ايمي الاخيره حكايات صافي هاني
بنتي الحامل كانت نايمة في التابوت، وجوزها داخل الكنيسة والضحكة مالية وشه كأنه في احتفال.
أنا مكنتش ببتسم.. أنا كنت بضحك من جوايا على المهزلة دي.
صوت دخوله قطع ترنيمة الكنيسة زي السكينة اللي بتقطع في حرير، الكل لف وشه، والرجالة ببدلها السوداء اتسمروا في مكانهم، حتى ورد الزنبق الأبيض اتهز في مكانه. وهو كان هناك، إيفان، جوز بنتي، حذائه بيلمع وساعته الذهب بتبرق، وإيده ماسكة وسط الست اللي خربت بيت بنتي.
كان اسمها ماري.
صوت كعبها وهو بيخبط في أرضية الكنيسة كان رنّان وقاسي، كأنه كفوف بتسقف ببرود.
كنت واقفة جنب نعش بنتي وإيديا الاتنين ضماهم قدامي، والستات الكبار من الجيران كانوا بيهموسوا بالصلاة، وأختي ساندة كوعي، بس أنا متهزتش.
جوة التابوت، بنتي مريم كانت زي حتة الخزف، شاحبة وساكنة أوي، وإيدها كانت مرتاحة فوق بطنها العالية، مكان ما حفيدي اللي مشافش الدنيا وقف عن الحركة للأبد.
عين إيفان جت في عيني.
قال بمنتهى الود المصطنع كأننا في حفلة يا مارجريت.. يوم صعب
ماري ميلت راسها وشفايفها الحمرا بتلمع، وقربت مني لدرجة إني شميت ريحة برفانها وهي بتهمس في ودني شكلي أنا اللي كسبت في الآخر.
الغل كان بيحرق زوري.
في الثانية دي مكنتش مجرد أم، كنت عاصفة، كنت عايزة أشد الطرحة من على شعرها وأجرجر إيفان من ياقتة نضيفة دي وأصوت لحد ما زجاج الكنيسة الملون يتكسر مية حتة.
بس بصيت لإيد مريم.. كانت ساكنة.. للأبد.
فبلعت صرختي وسكت.
إيفان كان مستني مني دموع، مستني يشوف ست عجوزة مكسورة بتنهار عشان يمثل هو دور الزوج المكلوم قدام الكاميرات بره، طول عمره فاكرني ضعيفة عشان صوتي واطي، وفاكر السن خلاني عاجزة، والحزن خلاني غبية.
كان غلطان في كل ده.
قدام، عند الهيكل، طلع الأستاذ يوسف محامي مريم من الضلمة، راجل رفيع وشعره أبيض زي الورق، وفي إيده ظرف مختوم عليه اسم بنتي.
ضحكة إيفان وسعت وبقت أوضح.
وقال باستنكار هو ده وقته؟ إحنا لسه مدفناش مراتي!.
الأستاذ يوسف عدل نضارته وقال بصوت حاد سكت الكل قبل الدفن، لازم الوصية تتقري.
الناس كلها
إيفان ابتسم وماري ضغطت على ذراعه بانتصار.
فتح المحامي الظرف وقرا أول اسم
إلى أمي.. مارجريت إليس.
في اللحظة دي، الضحكة اتسحبت من على وش إيفان.
بقية المعازيم كتموا أنفاسهم، والمحامي كمل قراية والورقة في إيده بترن في هدوء الكنيسة كل أملاكي، العقارات، والحسابات البنكية، والأسهم اللي باسمي، تروح بالكامل لوالدتي مارجريت، وهي الوحيدة اللي ليها حق التصرف فيهم من اللحظة دي.
إيفان وشه بقى لونه أصفر زي الليمون، وإيده اللي كانت ساندة ماري اترعشت ونزلت جنبه. المحامي مرفعش عينه من الورقة وكمل وبالنسبة لزوجي، فبناءً على المستندات اللي سلمتها للمحامي قبل وفاتي بشهر، فليس له أي حق في المطالبة بمليم واحد، وده بسبب إخلاله ببنود عقد الجواز اللي بينا.
ماري برقت بعنيها وبصت لإيفان وهي مصدومة، وسحبت إيدها من ذراعه بسرعة كأنها لمست نار. إيفان حاول يتكلم، شفايفه كانت بتتحرك بس مفيش صوت طالع، كأنه سمكة بتطلع في الروح بره المية.
المحامي قفل الظرف وبص لإيفان ببرود
إيفان بص حواليه لقى عيون الناس كلها عليه، بس المرة دي مكنتش عيون شفقة، كانت عيون كلها احتقار. ماري لفت وشها ومشيت بسرعة من غير ما تبص وراها، وكعبها اللي كان بيسقف من شوية بقى صوته وهو بيجري على الأرض كأنه صوت هروب مهزوم.
أنا فضلت واقفة مكاني، حاطة إيدي على نعش بنتي. مكنتش محتاجة أصرخ ولا أعيط. بصيت لإيفان وهو خارج منكسر، ووشه في الأرض، وعرفت إن بنتي وهي ماشية، سابتلي حقها وحق ابنها اللي راح معاها.
ابتسمت أخيراً، بس المرة دي الابتسامة كانت حقيقية، وبصيت لمريم وهمست لها ارتاحي يا حبيبتي.. حقك رجع.
إيفان وقف مكانه كأنه مضروب صاعقة، بص للمحامي وبعدين بصلي، عينيه كانت مليانة غل وخوف في نفس الوقت. حاول يخطو خطوة ناحية التابوت كأنه بيودعها تمثيل، بس أنا رفعت إيدي ومنعته من غير ولا كلمة. نظرتي كانت كفاية إنها توقفه مكان ما هو واقف.
المحامي الأستاذ