خداع زوج حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​قشرت ورقة الطلاق اللي رماها في وشي، وقطعتها حتت صغيرة ورميتها في باسكيت الزبالة اللي جنب السرير. الوجع اللي في رجلي كان لسه موجود، بس الوجع اللي في قلبي اختفى تماماً وحل محله قوة مكنتش أعرف إنها عندي.
​الحكاية لسه بتبدأ، ورأفت لسه مشافش الوش التاني من "منى الطيببة"..
بعد أسبوع، خرجت من المستشفى على الكرسي المتحرك اللي رأفت كان فاكره "نهايتي"، بس الحقيقة إنه كان "عرش" جديد بقود منه المعركة. وصلت قدام باب الشركة، الأمن اللي كان بيحيي رأفت بانحناء، وقفوا كلهم صفين وفتحوا لي الباب الإلكتروني بتقدير، والهمسات مكنتش بتبطل: "المالكة الحقيقية وصلت".
​دخلت المكتب الكبير، لقيت فاتن قاعدة على الكرسي بتاعي وبتقلب في مجلة. أول ما شافتني، قامت مفزوعة وقالت بحدة: "إنتي إيه اللي جابك هنا؟ رأفت قال إنك مش هتعرفي تتحركي من السرير!"
​ابتسمت وطلبت من السكرتيرة تحط ملف أسود قدامها على المكتب: "يا حبيبتي، المستشفى دي كانت استراحة محارب، إنما المكان هنا مكاني.. والكرسي اللي أنتي قاعدة عليه ده، تمنه مدفوع من حساباتي أنا."
​في اللحظة دي دخل رأفت، وشه كان مخطوف، وعينه غرقانة في الهالات السوداء. أول ما شافني صرخ: "منى، إنتي عملتي إيه؟ الموردين وقفوا الشغل، والعملاء
بيسألوا عنك، والبنك باعت إنذار بالحجز على الشقة!"
​بصيت له بمنتهى الهدوء وقلت: "الشركة دلوقت تحت إدارة جديدة يا رأفت، وبما إنك كنت 'كسول' زي ما كنت بتقول ومبتعرفش تقرأ العقود، فالمحامي بتاعي بعتلك إخطار بإنهاء خدمتك كمدير تنفيذي بسبب سوء الإدارة وتبديد أموال الشركة على مصاريفك الشخصية."
​رأفت قرب مني وهو بيحاول يستعطفني: "منى، إحنا عشرة عمر، أنا كنت مضغوط بس.. إنتي مش هترمينا في الشارع صح؟"
​فاتن اتدخلت بصوت عالي: "إنتي فاكرة نفسك مين؟ إحنا لينا حق في المكان ده!"
​بصيت لها من فوق لتحت وقلت: "حقك الوحيد عندي هو الشنطة اللي إنتي شايلاها دي، لأني لسه مدفعتش تمنها من حساب الشركة.. اتفضلوا اخرجوا بهدوء، عشان الأمن عنده أوامر يخرجكم بالقوة لو اتأخرتوا."
​رأفت بص حواليه، لقى الموظفين اللي كان بيتعالى عليهم كلهم بيبصوا له بنظرات شماتة وتشفى. لقى نفسه فجأة "لا شيء" في المكان اللي بناه بعرقي أنا.
​وهما خارجين من الباب، ناديت عليه: "يا رأفت!"
​لف وشه وهو عنده أمل ضعيف، فقلت له: "ورقة الطلاق اللي رميتها في وشي في المستشفى؟ أنا وقعتها.. بس ضفت عليها بند صغير: إنك ملزم برد كل مليم سحبته من غير وجه حق، وإلا المقابلة الجاية مش هتكون في مكتب، هتكون في المحكمة.
"
​خرجوا والباب اتقفل وراهم، وساعتها بس، حسيت إن رجلي بدأت تقوى، وإن الكرسي ده مجرد مرحلة وهقوم منها أقوى من الأول بكتير.
​الضربة اللي متموتش، بتقوي.. وأنا دلوقت أقوى من أي وقت فات.
رأفت وفاتن خرجوا من باب الشركة والكسرة باينة في عينيهم، والهمس وراهم من الموظفين كان زي السكاكين. في اللحظة دي، مكنتش شايفة قدامي غير مستقبلي أنا وبس.
​طلبت من السكرتيرة تجمع كل رؤساء الأقسام في قاعة الاجتماعات. دخلت عليهم بالكرسي المتحرك، والكل كان ساكت ومنتظر يشوف "الست" اللي قلبت الطاولة في ليلة وضحاها.
​بصيت لهم بثقة وقلت: "الشركة دي متبنية على تعب وشقا، واللي فات كان مرحلة وانتهت. من النهاردة مفيش مكان للي مبيشتغلش، ومفيش قرش هيتصرف في غير محله. أنا مش بس المالك الجديد، أنا اللي كنت بدير من ورا الستار، ودلوقت جه وقت الظهور."
​بدأنا شغل بجد، وفي خلال أسبوعين قدرت أرجع العملاء اللي كانوا هيهربوا بسبب استهتار رأفت. وفي يوم، وأنا قاعدة براجع الميزانية، السكرتيرة قالت لي إن فيه واحد بره مصمم يقابلني وشكله متبهدل خالص.
​سمحت له بالدخول.. كان رأفت.
هدومه مبهدلة، وعينه مكسورة، ومفيش أثر لفاتن جنبه.
وقف قدام مكتبي وقال بصوت واطي: "فاتن سابتني يا منى.. أول ما الحجز
نزل على الشقة والعربية، أخدت اللي وراها واللي قدامها وهربت. أنا ضعت، ومعنديش مكان أنام فيه."
​بصيت له بجمود وقلت له: "اللي زي فاتن مبيحبوش الأشخاص يا رأفت، بيحبوا المراكز والفلوس.. وإنت دلوقت معندكش لا ده ولا ده. إنت اللي اخترت تبيع العشرة عشان خاطر المظاهر، ودلوقت بتدفع التمن."
​بدأ يتوسل: "طب شغليني أي حاجة، أنا بموت من الجوع، ومحدش راضي يشغلني في أي شركة تانية بسبب سمعتي اللي باظت."
​هنا افتكرت وجعي في المستشفى، وافتكرت الورق اللي اترمى في وشي وأنا بين إيد ربنا.
قلت له ببرود: "أنا مبعملش زي ما إنت عملت، ومبرميش حد في الشارع.. المحامي بتاعي هيخصص لك مبلغ بسيط شهرياً من 'بيت المزرعة' اللي إنت كنت عايز تدهولي، تعيش منه في أوضة صغيرة هناك وتزرع الأرض عشان تاكل. ده عدل ربنا، الأرض اللي استهونت بيها، هي اللي هتسترك دلوقت."
​رأفت خرج من المكتب وهو بيجر أذيال الخيبة، مكسور ومنطفي.
وأنا قمت من على الكرسي، وسندت على المكتب ووقفت على رجلي لأول مرة من يوم الحادثة. الوجع كان لسه موجود، بس كان وجع الانتصار.
​بصيت من شباك مكتبي على النيل، وابتسمت وأنا عارفة إن دي مجرد البداية لحياة جديدة، حياة أنا فيها بطلة قصتي الحقيقية، بعيداً عن أي حد يحاول يكسرني
أو يقلل مني.
​النهاية.
 

تم نسخ الرابط