وصية الجده حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بقالي تلاتة وعشرين سنة بطبخ لأخويا وبنضف وراه، وواقفة بهدوء في خلفية كل صورة عيلة، في الوقت اللي أبويا وأمي بيقولوا عليه هو "الأهم".
​لما جينا نقرأ وصية جدتي، أمي قالت لي استني بره — زي ما كانت بتعمل دايما.
بس المرة دي، المحامي بصلها وقال: "لأ، هتفضل موجودة."
وبعدين طلع جواب مقفول مكتوب بخط إيد جدتي...
​أمي كلمتني بنفس النبرة الهادية اللي متعودة عليها وهي بتديني أوامر قبل ما الضيوف يوصلوا — صوت مش قاسي ولا عالي، بس نبرة حد ضامن إن كلامه هيتنفذ.
"يا إيفلين، دي مواضيع عائلية تخصنا. ممكن تستني هنا."
"هنا" دي يعني المطرقة — الحتة الضيقة اللي جنب كولدير المية، المكان المخصص للناس اللي مش مسموح لهم يقعدوا على الترابيزة.
​كان عندي واحد وتلاتين سنة، ولابسة فستان كويته بإيدي الليلة اللي قبلها — بعد ما غسلت قميص أخويا عشان طلب مني ده. مكنتش عايزة، بس عملت كدة برضه.
هي دي العادات. مش بتسأل ليه... لحد ما يجي يوم وتفوق.
​جوه، أبويا كان قاعد مستريح كأن الأوضة ملكه. أخويا ريان قاعد جنبه، ماسك الموبايل وعمال يقلب فيه، ونور الشاشة عاكس على وشه اللي مش فارق معاه أي حاجة. كان طالع شكله شيك في القميص ده.
طبعاً، ما أنا اللي كاوياه بإيدي.
​للحظة، كنت هنسحب. الغريزة دي — غريزة إنك توسع

لغيرك — كانت لسه موجودة. بعد سنين من القول لي مكاني فين، جسمي بيتحرك قبل ما عقلي يقدر يقاوم.
​بس المحامي اتكلم.
"لأ."
كلمة واحدة. هادية. وقاطعة.
أمي بربشت بعينيها وقالت: "نعم؟"
أستاذ بيلامي قلع نضارته براحة، وملامحه كانت ثابتة.
"إيفلين هتفضل. جدتها وضحت ده في وصيتها."
​الأوضة سكتت خالص — مش سكوت درامي، بس كان سكوت تقيل. من النوع اللي بيجبر الحقيقة إنها تبان.
أبويا جسمه اتخشب. ريان أخيراً رفع عينه من الموبايل. أمي مهربتش بعينها مني.
كانت متوقعة إني أختفي، بهدوء، زي ما كنت بعمل دايماً.
بس جدتي كانت متوقعة ده برضه — وعملت حسابها.
الإحساس ده بدأ يتسرب جوايا.
​جدتي ماتت من ست أيام، بس لسه روحها موجودة في كل حتة — في بيتها، في الحاجات الصغيرة اللي سابتها وراها. كانت هي الوحيدة اللي شايفاني بجد.
عشان كدة خطيت خطوة ودخلت.
أستاذ بيلامي قال لي: "اتفضلي اقعدي يا آنسة هارت."
آنسة هارت.
مش "يا حبيبتي"، ولا "ساعدينا في المطبخ". ناداني باسمي.
​قعدت قدام أبويا. الأوضة كانت باردة، وريحتها ورق وقهوة خفيفة. وصوت المطر كان بيخبط براحة على الشباك.
أبويا سأل: "هو ده فعلاً ضروري؟"
المحامي رد عليه ببرود: "إنت شايف إيه؟"
أبويا كشر. مبيحبش حد يراجعه في كلامه.
ريان قال بزهق: "ممكن نخلص؟ ورايا
مواعيد."
​كنت هبتسم. جدتي قضت أسابيعها الأخيرة مستنياه يزورها، ودلوقتي فجأة بقى وراه مواعيد ومستعجل.
أستاذ بيلامي تجاهله خالص، وطلع ظرف لونه كريمي مكتوب عليه اسمي بخط جدتي اللي عارفاه كويس.
"إيفلين".
زوري وجعني وضاق.
رفع الظرف عشان الكل يشوفه، وبعدين فتحه بحذر.
أمي سألت: "إيه ده؟"
"جواب."
"مانا شايفة إنه جواب."
"يبقى سيبيني أقرأه."

بدأ أستاذ بيلامي يقرأ، وصوته كان مالي الأوضة:
​"حفيدتي الغالية إيفلين.. لو بتقرئي الكلام ده، يبقى المحامي بتاعي نفذ طلبي وقعدتي على الترابيزة دي، مش واقفة في الممر بتجهزي القهوة."
​أمي لفت وشها بسرعة وبصت لأبويا، بس المحامي مكلمش وبدأ يكمل:
​"أنا شفتك يا إيفلين. شفتك وإنتي بتسكتي عشان هما يتكلموا، وشفتك وإنتي بتصغري نفسك عشان ريان يحس إنه كبير. شفت القمصان اللي كويتيها، والعمر اللي ضيعتيه وإنتي بتخدمي ناس بيعتبروا وجودك مجرد 'خلفية' لحياتهم."
​ريان نفخ بضيق وساب الموبايل من إيده، بس المحامي بص له نظرة واحدة خلاه يسكت خالص.
​"عشان كدة، قررت أصلح الميزان. البيت ده، بكل اللي فيه، وبحسابي اللي في البنك، وكل أملاكي.. كلها باسم إيفلين هارت. لوحدها."
​السكوت اللي حصل في اللحظة دي كان مرعب. أبويا قام وقف فجأة، ووشه بقى أحمر من العصبية: "ده جنان!

دي أكيد مكنتش في وعيها وهي بتكتب الكلام ده! إزاي يعني ريان ملوش حاجة؟"
​أمي صوتها كان بيترعش: "يا أستاذ بيلامي، إحنا عيلة، والأصول بتقول إن الولد هو اللي..."
​المحامي قاطعها ببرود وهو بيطلع ورقة تانية: "الأصول هي اللي مكتوبة هنا وممضية من الشهر العقاري. وبالمناسبة، جدتكم سابت رسالة تانية مخصوصة ليكم."
​بص لنا كلنا وكمل قراية بلهجة حادة:
"أنا عارفة إنكم هتعترضوا. وعارفة إنكم هتحاولوا تقنعوا إيفلين إنها 'تتنازل' عشان خاطر العيلة. وعشان كدة، حطيت شرط في الوصية: لو إيفلين اتنزلت عن مليم واحد لأي حد فيكم، كل الأملاك دي هتروح لجمعيات خيرية فوراً، وهتطردوا كلكم من البيت في ظرف 24 ساعة."
​بصيت لأبويا، اللي كان دايماً بيحسسني إني مجرد "زيادة" في البيت. وبصيت لريان اللي كان مستني يورث كل حاجة وهو محركش صباعه. ولأول مرة في حياتي، محستش بالذنب.
​أمي بصت لي بلهفة مصطنعة وقالت: "إيفلين يا حبيبتي، إنتي أكيد مش هترضي إن أخوكي..."
​قطعت كلامها ووقفت. عدلت فستاني اللي كويته بنفسي، وبصيت للمحامي وقلت له بصوت ثابت لأول مرة في حياتي:
"كمل يا أستاذ بيلامي.. عايزة أعرف إيه كمان بقا ملكي."
​أبويا قعد تاني على الكرسي كأنه اتهزم، وريان كان باصص للأرض ووشه جايب ألوان. في اللحظة دي، عرفت
إن "العادات" اللي كانت كاتمة على نفسي، انتهت للأبد.

تم نسخ الرابط