وصية الجده حكايات صافي هاني
أستاذ بيلامي كمل قراية وكأنه بيستمتع بكل كلمة:
"وعشان أضمن إنك هتبدئي حياتك صح يا إيفلين، البيت اللي إنتوا عايشين فيه دلوقتي، واللي هو أصلاً كان ملكي ومسجلاه باسم أبوكي من سنين.. أنا استرديت ملكيته قانونياً بناءً على بند في عقد الهبة القديم، وضمتيه لأملاكك. يعني من اللحظة دي، البيت ده بيت إيفلين، وإنتوا ضيوف عندها."
أبويا صوته اختفى تماماً، ملامحه كانت مزيج من الصدمة والذهول. أما أمي، فبدأت تمسح دموعها وتغير لهجتها خالص: "يا بنتي، إحنا طول عمرنا بنحبك، وإنتي عارفة إن ريان مكنش قصده يتعبك، ده مهما كان أخوكي السند.."
ريان أخيراً نطق، بس صوته كان مهزوز: "إيفلين، إنتي أكيد مش هترمينا في الشارع صح؟ أنا عندي التزامات، ومحتاج القميص التاني عشان عندي مقابلة شغل مهمة بكرة.."
بصيت له وضحكت.. ضحكة خفيفة بس كانت طالعة من قلبي.
"القميص؟ لسه بتفكر في القميص يا ريان؟"
التفتت للمحامي وقلت له: "إيه الإجراءات الجاية؟"
أستاذ بيلامي ابتسم وقال: "كل الورق جاهز يا آنسة إيفلين. البيت، والحسابات، والعربية الركنة بره.. كله تحت تصرفك من دلوقتي. والأسرة الكريمة قدامهم مهلة أسبوع يوفقوا أوضاعهم، إلا لو كان ليكي رأي تاني."
بصيت لأمي اللي كانت بتبص لي بنظرة استعطاف لأول مرة في حياتها. النظرة اللي كنت بشوفها في عيونها دايماً كانت أوامر، أو تجاهل، أو عتاب. دلوقتي شفت فيها الخوف.
قلت بهدوء: "أنا مش هرمي حد في الشارع.. أنا مش شبهكم. بس من هنا ورايح، القواعد هتتغير. ريان، المطبخ هناك أهو، لو جعت اتعلم تطبخ لنفسك. وأمي.. الممر اللي كنت بستنى فيه، ياريت تخلي بالك وإنتي ماشية فيه عشان السجادة محتاجة تنضيف، وإنتي اللي هتنضفيها."
أبويا حاول
وقفت بكل ثقة وبصيت له في عينه: "البت دي هي اللي بتمتلك السقف اللي فوق راسك دلوقتي يا بابا. لو مش عاجبك نظام البيت، الباب يفوت جمل.. زي ما كنت دايماً بتقولي لما كنت بشتكي من التعب."
ساد صمت غريب في الأوضة، بس المرة دي مكنش تقيل عليا. كان خفيف وكأني طايرة.
خرجت من الأوضة ورحت للممر، وقفت قدام مبرد المية اللي قضيت جنبه سنين من عمري. شربت مية وسندت راسي على الحيطة وأنا ببتسم.
لأول مرة، مش أنا اللي مستنية بره.
هما اللي مستنيين رحمتي جوه.
المحامي قفل الشنطة بتاعته وقام وقف، بص لي بابتاسة خفيفة كأنه بيبارك لي من غير كلام، وقال: "أنا كدة خلصت مهمتي يا آنسة إيفلين، وده الكارت بتاعي لو احتاجتي أي إجراء قانوني بخصوص نقل الملكية بالكامل."
أول ما المحامي خرج، الأوضة اتحولت لساحة محاكمة، بس الأدوار كانت متبدلة.
أبويا قام وفضل يروح وييجي في الأوضة وهو بيبرطم: "بقى دي أخرتها؟ الحجة تعمل فينا كدة؟ تدي كل حاجة للبنت وتكسر ضهر ريان؟"
ريان بص لي بغل وقال: "إنتي مصدقة نفسك يا إيفلين؟ مفكرة إن الكلمتين دول هيخلوكي هانم علينا؟ إنتي من غيرنا ولا حاجة، مين هيشيل مسؤوليتك؟"
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينه بكل برود: "مسؤوليتي؟ أنا بقالي تلاتة وعشرين سنة شايلة مسؤوليتك ومسؤولية البيت ده كله. كنت "الخدامة" اللي بتداري خيبتك وفشلك عشان بابا يفضل شايفك "المهم". النهاردة بقى، "المهم" ده لازم يدور لنفسه على سكن، أو يوريني شطارته ويصرف على نفسه."
أمي حاولت تمسك إيدي وهي بتعيط: "يا بنتي، البيت كبير ويشيلنا كلنا، بلاش تخلي الفلوس تغيرك علينا، إحنا ملناش غير بعض.
سحبت إيدي براحة وقلت لها: "الفلوس مغيرتنيش يا ماما، الفلوس بس كشفت لي قيمتي عندكم. السنين اللي فاتت كنت بستنى كلمة شكراً، كنت بستنى تحسوا بيا وإنتي بترمولي الهدوم عشان تتغسل وأنا ميتة من التعب. دلوقتي، أنا مش عايزة شكر.. أنا عايزة حقي في الراحة."
روحت عند الشباك، المطر كان لسه شغال، بس الدنيا برا كانت شكلها أجمل بكتير.
التفت لهم وقلت بصوت عالي وواضح:
"ريان، قدامك ساعة تلم فيها هدومك اللي أنا غسلتها وكويتها، وتروح تقعد في الشقة اللي بابا كان شايلهالك عشان تتجوز فيها. والبيت ده.. هيفضل لبابا وماما بس بشرط، مسمعش صوت حد فيكم بيؤمرني بحاجة، والطلبات اللي كانت بتيجي لغاية عندكم، انساها يا بابا. من بكرة، فيه شركة تنضيف هتيجي، وفيه طباخ هيجي، وأنا.. أنا هبدأ أعيش حياتي لأول مرة."
أبويا بص لي بكسرة، وريان كان هيتجنن وهو شايفني بوزع الأوامر.
طلعت من الأوضة ورحت لأوضة جدتي.. قعدت على سريرها وشميت ريحتها اللي لسه موجودة في المكان.
مسكت الجواب بتاعها وضميته لصدرى، وهمست: "شكراً يا تيتة.. شكراً إنك كنتي شايفة اللي هما مكنوش عايزين يشوفوه."
فتحت الدولاب، وطلعت قميص ريان اللي كنت لسه كاوياه.. وبكل هدوء، رميته من الشباك في وسط الطينة والمطر.
أصل العادات زي ما بتتبني.. بتتهد برضه في لحظة.
نزلت الصالة تحت، لقيت ريان واقف بيبص من الشباك على قميصه اللي وقع في الطينة، وشه كان جايب ألوان، باصص لي وكأنه مش مصدق إن دي إيفلين اللي كانت بتخاف من خيالها.
أبويا كان قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه، ولأول مرة أشوفه "قليل". الراجل اللي كان صوته بيهز البيت، دلوقتي مش قادر يرفع عينه في عيني.
أمي قربت مني بصوت واطي ومكسور: "يا
بصيت لها وابتسمت ببرود: "يتحرق يا ماما.. قصدي يتعلم يا ماما. مش هو "راجل"؟ والرجولة اللي كنتوا بتصدعونا بيها دي مش المفروض تشيل مسؤولية؟ أهو جاله الوقت اللي يثبت فيه إنه راجل بجد، مش مجرد لبس وشياكة على قفاي."
ريان لف وشخط فيا: "إنتي فاكرة نفسك مين؟ والله لأعرفك قيمتك يا إيفلين، والورق ده هبله واشرب ميته، أنا هرفع قضية حجر على الوصية دي!"
ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في البيت كله: "ارفع يا حبيبي، المحامي قايل لي إن جدتك كانت حاسبة كل خطوة ومأمنة كل ثغرة. وبعدين، ارفع قضية براحتك، بس المحامي بيفكرك إنك عشان ترفع قضية محتاج مصاريف.. والمصاريف دي كانت بتطلع من جيب بابا، وبابا دلوقتي ملوش حق التصرف في مليم واحد من غير إمضتي."
ريان اتصدم وسكت، وبص لأبويا اللي هز راسه بتأكيد وهو مش قادر يتكلم.
طلعت مفاتيح العربية اللي المحامي سابهالي، وقلت لهم: "أنا خارجة دلوقتي، عايزة لما أرجع ألاقي ريان مشي، وألاقي البيت ده هادي. وبابا، يا ريت تبلغ البواب إن من بكرة مفيش حد يدخل البيت ده غير بإذني."
وأنا ماشية رايحة للباب، مريت بالممر الضيق، المكان اللي كنت بقف فيه زي الخدامة. وقفت ثانية، بصيت لمبرد المية، وابتسمت بانتصار.
فتحت الباب، الهوا البارد خبط في وشي، بس حسيت بدفا غريب في قلبي. ركبت العربية، وبصيت في المراية.. شفت واحدة تانية خالص، واحدة ملامحها مرتاحة، وعينيها فيها لمعة مكنتش موجودة من سنين.
دورت العربية، ومشيت.. سبتهم ورايا في "الخلفية"، زي ما كانوا دايماً بيعملوا فيا.
دلوقتي، الصورة بقت صورتي أنا..