كشف المستور حكايات صافي هاني
كان بيبص لها بنظرات احتقار. هي اللي كانت دايما بتمثل قدامهم دور الخالة الحنينة اللي شايلة ولاد أختها، النهاردة وشها الحقيقي انكشف قدام الكل.
دخل الظابط وشاف منظر ليلى المذعورة وياسين اللي جسمه غرقان في السخونية، بص لي بحزن وقال ولا يهمك يا أستاذ أحمد، حق ولادك هيرجع، والتقرير الطبي هيثبت كل حاجة.
هناء كانت بتصرخ وهي بتتسحب والله ما عملت حاجة! دي عيلة كدابة! دي عيلة مريضة!
بس صوتها اختفى أول ما البوكس اتحرك.. والهدوء رجع للبيت، بس كان هدوء حزين يقطع القلب.
دخلت المطبخ وفتحت التلاجة.. لقتها فاضية إلا من شوية أكل بايت ميتأكلش، في حين إن الدولاب بتاعها كان مليان بكل ما لذ وطاب.. كانت بتاكل وتتظبط، وتجوع لحمي ودمي.
ليلى جت وقفت جنبي، كانت لسه ماسكة قلم التلوين الأزرق المكسور في إيدها.
سألتها بصوت مخنوق ليه يا ليلى؟ ليه مقلتيش من بدري يا بنتي؟
بصت لي وعينيها غرقانة دموع وقالت كانت بتقولي إنك تعبان وشغال عشاننا،
الكلمة دي كانت أصعب من الضرب.. بنتي اللي عندها 7 سنين كانت بتتحمل الوجع عشان خايفة عليا.
شلتها هي وياسين، ودخلنا أوضتهم.. قلعتهم الهدوم المبهدلة دي، وحميتهم بمية دافية، ولبستهم أنضف وأدفي حاجة عندهم.
ياسين بدأ يفوق شوية بعد ما شرب عصير طبيعي وعملتله كمادات، وليلى نامت في حضني وهي ماسكة في قميصي كأني هطير.
بصيت لصورة نسمة مراتي اللي متعلقة على الحيطة.. وقلت في سري سامحيني يا نسمة.. انشغلت بالدنيا ونسيت إن أمانتك هي أهم من أي شغل وأي فلوس.. بس وحق اللي خلقني، من النهاردة مفيش مخلوق هيقدر يكسر بخاطرهم، ولا هسمح لغريب يدخل عتبة البيت ده تاني.
قعدت جنبهم طول الليل، مش قادر أغمد عيني.. كنت بقرا قرآن وأنفث في إيديهم وأمسح عليهم، وبوعد نفسي إن دي آخر ليلة خوف هيعيشوها في حياتهم.
الفجر أذن، والنور بدأ يشقشق.. ليلى فتحت عينيها وبصت لي بابتسامة لأول مرة
بست راسها وقلت لها هناكل سوا كل يوم يا قلب بابا.. ومحدش هيفرقنا أبدًا.
مرت الأيام، والبيت بدأ يرجع فيه الروح من تاني. خرجت هناء من حياتنا وراحت لمكانها اللي تستحقه ورا القضبان، بس الأثر اللي سابته في نفوس العيال كان لسه محتاج وقت عشان يلم.
ياسين بدأ يسترد صحته، وبقيت أنا اللي بشرف على أكله وشربه بنفسي.. مابقتش اعتمد على حد. ليلى بدأت تضحك من قلبها، بس لسه بتخاف لو شافت حد ماسك مقص أو لو النور قطع، فكنت دايمًا جنبها، بطمنها إن بابا هنا ومش هيغيب تاني.
في يوم جمعة، واحنا قاعدين بناكل سوا، ليلى بصت لي وقالت بابا، هو إحنا ممكن نروح نزور ماما؟ عايزة أحكي لها إننا بقينا كويسين.
روحنا المقابر، ووقفت قدام قبر نسمة.. حسيت بوجع في قلبي، بس المرة دي كان معاه راحة. ليلى قرأت الفاتحة بصوتها العذب، وياسين كان ماسك وردة صغيرة حطها على القبر.
قلت في سري يا نسمة، ولادك كبروا في
واحنا راجعين، ليلى سألتني بابا، هو إنت لسه زعلان من خالتو هناء؟
بصيت لها وقلت يا بنتي، ربنا هو اللي بيحاسب، وإحنا عملنا اللي يرضي ربنا وحمينا نفسنا.. المهم إننا اتعلمنا إن الحقيقة مهما استخبت، لازم تبان في يوم.
فتحت مفكرة ليلى اللي كانت مخبياها، وقطعت الصفحات القديمة اللي فيها حزن، واديتها قلم تلوين جديد.. أزرق زي اللي كان معاها بس مش مكسور.
وقلت لها اكتبي يا ليلى.. بس المرة دي اكتبي الحاجات الحلوة اللي هنعملها سوا.
مسكت القلم وبدأت ترسم.. رسمت بيت كبير، وشمس طالعة، ورسمتني وأنا ماسك إيدها وإيد أخوها.
ومن يومها، بقيت أرجع من شغلي بدري، مش عشان خايف من حاجة، بس عشان الكنز اللي مستنيني ورا الباب يستاهل كل لحظة من وقتي.
البيت مابقاش مجرد حيطان، بقى مملكة صغيرة، مفيهاش مكان لغدر، ولا مكان لخوف.. فيها بس أحمد وولاده، وذكرى
تمت.