خيانة الاهل حكايات صافي هاني
رجعت من دبي في السكات، من غير ما أقول لأي مخلوق.
خمس سنين غُربة وتعب تحت شمس ما بترحمش، خمس سنين باكل في نفسي وبوفر اللقمة عشان أبعتها لمصر. كنت عايش هناك في أوضة ضيقة مع عشرة غيري، وبحرم نفسي من كل حاجة عشان آمال وابني ياسين يعيشوا ملوك في البيت اللي بنيته بدم قلبي.
كنت ببعت كل شهر قرابة ال 90 ألف جنيه لوالدتي.. في الأول آمال مكنش ليها حساب بنكي، قولت لأمي خلي بالك من مراتي وابني يا أمي، دول أمانة في رقبتك، كانت ترد وتقولي في عنيا يا ضنايا، بس هي مشغولة في البيت.. هي نايمة.. هي عند أهلها. صدقتها، أصل الواحد هيصدق مين لو مصدقش أمه وأخته؟
لما العقد خلص فجأة، قررت أعملها مفاجأة. كنت راسم في خيالي صورة آمال وهي بتفتح لي الباب بضحكتها، وياسين وهو بيترمي في حضني ويقولي وحشتني يا بابا.
وصلت البيت.. الفيلا اللي دافع فيها شقا عمري. النور طالع من كل شباك، وصوت الضحك والأغاني واصل لآخر الشارع. أمي وأختي عبير عاملين عزومة فخمة، والبيت مليان ناس وضحكهم مسمع الدنيا.
قلبي قبضني.. مشيت ناحية الحديقة الخلفية، في الضلمة، بعيد عن الدوشة. سمعت صوت صغير بيترعش
ماما.. أنا جعان أوي.
جسمي اتشنج.. الصوت ده أنا عارفه كويس.
قربت من أوضة الخزين اللي ورا، وسمعت آمال بتهديه وهي بتبكي بصوت مكتوم هشسس يا حبيبي.. كل الحتة
فتحت الباب.. شفتها.
آمال.. كانت خاسة للنص، وشها أصفر وتعبان، وهدومها دبلانة. وياسين قاعد جنبها على الأرض بياكل لقمة ناشفة بلهفة. حاجتهم كلها مركونة في ركن ضيق كأنهم أغراب، مش أصحاب البيت.
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت عبير أختي بكل غطرسة، وهي لابسة أغلى اللبس من فلوسي، وقالت ببرود إياكي تمدي إيدك على حاجة من الأكل اللي جوه، لما الضيوف يمشوا ابقي كلي البواقي، فاهمة؟
آمال وطت راسها في الأرض بكسرة، وياسين حضن طبق الفتات اللي معاه كأنه خايف يتاخد منه.
الدنيا اسودت في عيني. رميت الشنط من إيدي، والرزع هز المكان.
عبير لفت.. واتسمرت مكانها. وشها بقى بلون الورق.
وأمي طلعت على الصوت، وأول ما شافتني، الرعب سكن ملامحها والضحكة اللي كانت على وشها ماتت.
فهمت كل حاجة.. الخيانة، الكذب، والغل اللي كان مستخبي.
عرفت إن مفيش وجع أصعب من إن شقا عمرك يتحول لسكينة في ضهر مراتك وابنك، وإن اللي من دمك هم اللي نهشوا في لحمك وأنت غايب.
وقفت قدامهم وأنا عارف حاجة واحدة بس.. البيت ده عمره ما هيرجع زي الأول، واليوم ده هو آخر يوم ليهم في حياتي.
وقفت مكاني، لساني اتعقد من الصدمة، بس قلبي كان بيغلي. بصيت لأمي اللي كانت واقفة زي اللي ضربها على دماغها، وعينها بتلف في المكان كأنها بتدور على
إيه يا أحمد يا بني؟ قالتها أمي وصوتها بيرتعش وبتجمد ريقها بصعوبة. أنت.. أنت جيت بدري ليه؟ ما قولتش لينا ليه إنك نازل عشان نعملك حسابنا؟
بصيت ل عبير أختي اللي كانت لسه ماسكة طبق فاكهة في إيدها، والطبق وقع من إيدها وعمل صوت رِزعة كسر الصمت اللي في المكان.
حسابكم؟ صوتي طلع واطي بس كان تقيل زي الرصاص. كنتوا هتعملوا حسابي بإيه يا أمي؟ وأنتِ يا عبير.. لابسة منين تمن الفستان ده اللي بآلاف، وآمال وابني قاعدين في العتمة بياكلوا بواقي الأكل؟ ده أنا كنت ببعت دم قلبي عشان تعيشوا معززين مكرمين، مش عشان ترموا مراتي وابني في الأوضة دي وتعذبوهم!
آمال قامت وقفت وهي بتداري دموعها، وقالت بصوت مكسور
خلاص يا أحمد، كفاية.. الحمد لله إنك رجعت بالسلامة، متعملش مشاكل مع والدتك.
بصيت لآمال، وشفت فيها أصل الأصول؛ حتى في عز قهرها وخوفها كانت خايفة على صلة الرحم. بس أنا ما سكتش. مسكت ياسين ابني، اللي كان بيترعش، وحضنته جامد. ريحة ابني كانت كلها جوع وقهر، وأنا راجل صعيدي وابن أصول، وعارف ربنا كويس، وعارف إن الظلم ظلمات يوم القيامة.
يا أمي، قلتها وأنا باصص في عينها مباشرة. أنا ربنا هيحاسبني على الأمانة دي. فلوسي اللي كنت ببعتها، كنت ببعتها عشان أطمن على مراتي وابني، مش عشان تتمنظروا بيها
أمي حاولت تقرب وتحط إيديها على كتفي عشان تهديني، بس أنا زحت إيديها باحترام ووقار ابن الأصول اللي مش قليل الأدب، لكنه مش هيقبل بالظلم.
الضيوف اللي جوه دول، يا عبير، اطلعي قوليلهم إن العزومة خلصت، وإن كل واحد يروح بيته. بصيت لأختي بنظرة خلتها تجري على جوه وهي بتعيط من الخوف.
بعد ما الناس مشيت، وقفت في نص الصالة. البيت كان هادي، والضحك اللي كان من شوية بقى حسرة. بصيت لأمي وأختي وقولتلهم الكلمة اللي كانت قاطعة
أنا لا هطردكم ولا هقطع صلتكم، لأن دمي من دمكم وربنا أمرنا ببر الوالدين. بس كل مليم دخل هنا زيادة عن حقكم، هتحاسب عليه قدام ربنا. وبداية من بكرة، آمال وابني هيكونوا عايشين في الفيلا دي في النور، معززين مكرمين، واللي مش عاجبه، طريق مصر مفتوح.
أخدت آمال وياسين، دخلتهم جوه، ونضفت لهم المكان بإيدي، وقعدت أكلهم من اللقمة الطيبة، وحمدت ربنا إن ربنا نجّاني ورجعني في الوقت المناسب عشان أنقذ بيتي وأهلي.
هل تحب أن نكمل في اتجاه تصحيح مسار العائلة وتسامح البطل، أم نركز على مواجهة البطل مع والدته وأخته بشكل أكبر؟
بصيت لأمي، لقيت عينها مليانة لؤم مش ندم، وبدأت تعلي صوتها عشان تداري كسر العين
بقى بتعلي صوتك علينا عشان خاطر دي؟ يا ابني دي كانت بتدلع وبتقول مش عايزة أكل،
ضحكت