دقتر الجده حكايات صافي هاني
في جنازة جدتها، أبوها رمى دفتر توفير قديم على القبر وقال بكلمتين ده مالوش لازمة.. بس هي نولت جابته وسط تريقة وسخرية عيلتها كلها، ولما راحت البنك، اكتشفت سر خلى الموظف يتسمر في مكانه.
سيبي البتاع ده مكانه، الدفتر ده قيمته متجيش تمن الورد الدبلان اللي حواليكي ده.
دي كانت كلمات أبويا وهو بيرمي دفتر توفير جدتي فوق الخشبة اللي لسه نازلة حالا في الترب.
السكوت حل على المدافن كلها، وكأن حتى الدنيا بطلت تشتطر من كسوفها.
كنت واقفة قدام القبر، رجلي بتغرز في الطينة وقلبي بيتقطع حتت. جدتي كريمة لسه مدفونة حالا في مدافن العيلة القديمة.. وسط أكاليل ورد أبيض ودعوات خفتة، وقرايب مظهرولش غير عشان يعرفوا هيورثوا إيه.
أبويا، رأفت، مكنش حتى بيحاول يمثل إنه حزين.
كان لابس أسود في أسود، بس عينيه كانت ناشفة ووشه مرسوم عليه الغضب. وجنبه مراته نجلاء، حاطة مكياج كامل ولابسة نضارة شمس سوداء رغم إن الجو كان مغيم. وأخويا من أبويا هاني عمال يلعب بمفاتيح عربيته وزهقان، كأنه مستني الفيلم ده يخلص عشان يمشي.
سمعتي المحامي قال إيه يا لمياء؟ أبويا قالها وهو بيشاور عليا باحتقار. أمي سابتلك الدفتر القديم ده وشوية كلام فاضي عن حقوق تانية.. تخاريف ست عجوزة كانت بتخرف قبل ما تموت.
نجلاء ضحكت ببرود
يا رأفت متقساش عليها، يمكن ينفعها تجيب بيه طلبات البيت.
وهاني كمل تريقة
أو تبيعه لبتاع الروبابيكيا كأنتيكة.
ولاد عمي اللي بص الناحية تانية واللي ابتسم في سرّه، مفيش حد فكر يدافع عن جدتي، ولا حد فكر يدافع عني.
المحامي، الأستاذ هاني، كان واقف في هدوء تحت شمسيتة. من دقايق بس كان بيقرا الوصية
هي اللي علمتني إزاي أطبخ من غير خوف، وإزاي أقف في وش القسوة، وإزاي أشيل ورق لكل كبيرة وصغيرة. بس لسنين طويلة، كنت فاكرة إن خوفها من أبويا ده مجرد حزن.
قبل ما تموت بأسبوع، مسكت إيدي في المستشفى ووشوشتني
لما رأفت يضحك، متمرديش عليه.. خدي الدفتر وروحي البنك، ومتحكيهوش لحد.
وقتها مفهمتش قصدها.
بس دلوقتي، وأنا شايفة الدفتر الأزرق مرمي في التراب، حسيت بكلامها بيحرق في صدري.
قربت من القبر.
أبويا مسك دراعي جامد
إياكي تفكري تعملي فضيحة هنا.
بصيت في عينيه مباشرة
سيب إيدي.
يا لمياء متبقيش عبيطة، البتاع ده ورق ملوش قيمة، أمي مكنتش واعية هي بتعمل إيه.
جدتي كانت عارفة هي بتعمل إيه بالظبط.
قبضته جمدت على دراعي
إنتي متعرفيش حاجة!
بس المرة دي شديت إيدي بقوة مكنتش أتخيل إنها عندي. نزلت براحة، مإهتمتش بالطينة اللي بهدلت فستاني، ولقطت الدفتر من فوق الخشبة.
كان متبهدل تراب، بس اسمها كان لسه واضح وزي الفل
كريمة التوني.
ضميته لصدري وقلت بهدوء
ده كان بتاعها، ودلوقتي بقى بتاعي.
أبويا قرب مني لدرجة إني شميت ريحة السجاير في نفسه وقال
هتندمي يا لمياء.
نجلاء لوّت بوزها وقالت
يا عيني، لسه فاكرة إن كريمة كانت بتحبها أكتر من ابنها.
زوري وجعني من كتم العياط، بس رفضت أنزل دمعة واحدة.
هاني وقف قدامي
ها وبعدين؟ بجد هتروحي البنك بالبتاع ده؟
بصيت له بكل ثقة
أيوه.
كلهم ضحكوا.
كلهم بلا استثناء.
إلا الأستاذ هاني المحامي.
فضل يراقبني وأنا ماشية في المطر بنظرة غريبة.. كأنه فاهم حاجة مفيش حد غيره فاهمها.
كأنه عارف إن الدفتر
ده كان قنبلة موقوتة.
ومحدش فيهم كان يتخيل إيه اللي هيحصل أول ما أحط الدفتر ده على شباك البنك.
دخلت البنك وتوبى غرقان طينة، والناس بتبص لي باستغراب، كأني واحدة شحاتة داخلة تصرف شيك بمليون جنيه. رحت عند الشباك، ومسحت الدفتر بطرف كمي وحطيته قدام الموظف.
الموظف بص للدفتر باستخفاف وقال لي يا آنسة، الدفتر ده قديم قوي، ومن حسابات كانت متجمدة، غالباً ملوش رصيد دلوقتي.
قلت له بصوت ثابت لو سمحت، اكشف عليه.
أول ما الموظف دخل البيانات على الكمبيوتر، ملامح وشه اتغيرت تماماً.. اللون هرب من وشه، وبدأ يفرك في إيده، وبص لي وهو مبهور وقال ثواني يا فندم، لازم أكلم مدير الفرع.
في اللحظة دي، دخل أبويا ونجلاء وهاني البنك وهما بيضحكوا، وناويين يكملوا تريقة عليا قدام الناس.
أبويا قرب مني وقال بصوت عالي ها يا لمياء؟ عرفتي إنك كنتي بتجري ورا سراب؟ الموظف أكيد قلك ارمي الورق ده في الزبالة.
رد هاني بضحكة مستفزة يلا يا بنتي كفاية فضايح، قومي عشان نروح نشوف المحامي هيقسم الشقة إزاي، دي الحاجة الوحيدة اللي طلعتي بيها.
فجأة، باب مكتب المدير اتفتح، وخرج المدير بنفسه، راجل وقور وشعره شايب، وجري عليا وهو بيعدل كرافتته وقال بصوت مسموع للكل يا أهلاً يا أهلاً.. آنسة لمياء؟ إحنا بقالنا سنين مستنيين اللحظة دي.
أبويا وقف مذهول مستنيين إيه؟ ده دفتر توفير من أيام السبعينات!
المدير بص لأبويا ببرود، وبعدين بص لي وقال يا فندم، الدفتر ده مش مجرد حساب توفير.. جدة حضرتك، الست كريمة، كانت شريكة مؤسسة في أصول عقارية وشركات استثمارية تبع البنك،
نجلاء اتدخلت وهي بتبرق وأرباحها كام يعني؟ ميت ألف؟ ميتين؟
المدير ابتسم نص ابتسامة وقال الأرباح مع الأصول الحالية، وتوكيلات الإدارة اللي في الدفتر، تخلي الآنسة لمياء تمتلك الحصة الأكبر في المجموعة.. يعني ببساطة، العمارة اللي انتوا ساكنين فيها، والمصنع اللي شغال فيه الأستاذ رأفت، بقوا ملك للآنسة لمياء من اللحظة دي.
أبويا وشه بقى لونه أزرق، ووقع على الكرسي مش مصدق، وهاني مفاتيح العربية وقعت من إيده، ونجلاء كانت هتشد في شعرها من الصدمة.
بصيت لهم ببرود، نفس البرود اللي كانوا بيبصوا لي بيه في الجنازة، وقلت للمدير لو سمحت يا فندم، ابدأ إجراءات الحجز على المصنع، وبلغ سكان العمارة إن المالك الجديد هيغير العقود.. أنا عايزة حقي وحق جدتي تالت ومتلت.
أبويا حاول يتكلم بصوت مرعوش يا لمياء.. أنا أبوكي!
بصيت له وقلت له الكلمة اللي جدتي قالتها لي جدتي قالت لي إنك هتضحك، وفعلاً ضحكت.. دلوقتي بقى، اضحك لو قدرت.
خدت الدفتر في حضني وخرجت من البنك، والمطر اللي كان بيغسل الهم في المدافن، كان دلوقتي بيغسل طريق جديد مفيش فيه مكان للظلم.
أبويا وقف في نص صالة البنك زي اللي مضروب بطلقة، مش قادر ينطق، ونجلاء مراته بدأت تهوي على وشها بإيدها وهي بتقول بصوت مرعوش أكيد فيه غلط، إنت عارف الحساب ده فيه كام يا متر؟ دي ولية كانت بتقلب في القديم!
المدير بص لها من فوق لتحت وقال بلهجة حاسمة يا مدام، إحنا هنا في بنك، مفيش حاجة اسمها