دقتر الجده حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الفرع ده، مش بس في الرصيد، لكن في الأصول اللي بتديرها.
بصيت لأبويا وقلت له والدموع خلاص بتبعد عن عيني وبتحل محلها نظرة قوة فاكر لما كنت بتقول على الورد إنه دبلان؟ الورد بيدبل عشان يطلع مكانه ثمر، وجدتي زرعت وأنا النهاردة بحصد.
هاني أخويا حاول يغير لهجته وقرب مني بابتسامة صفراء يا لميا، إحنا برضه إخوات، وأنا كنت بهزر معاكي في المدافن، إنتي عارفة قلبي أبيض.. يعني ملوش لزمة الكلام عن حجز المصنع ده، ده أكل عيشنا.
ضحكت ضحكة وجع وقلت له أكل عيشكم اللي كنتوا مستخسرين فيه لقمة في بوق جدتكم وهي عيانة؟ اللي كنتوا بتبخلوا عليها بالزيارة وتيجوا بس تسألوا عن الورث؟ المصنع ده هينجرد بالمليم، وأي مليم اتسرق منه في حياة جدتي هيرجع.
أبويا بدأ ينهار ويقول بصوت واطي يا بنتي.. أنا اللي ربيتك.
رديت عليه بكلمة واحدة قطمت وسط الكلام لأ.. هي اللي ربت، وإنت اللي كنت بتهد.. هي اللي شالت، وإنت اللي كنت بترمي.. ودلوقتي، الدفتر اللي كنت عايز ترميه في التراب، هو اللي هيخرجني من التراب اللي عيشتوني فيه.
التفتت للمدير وقلت له يا فندم، أنا عايزة محامي البنك يراجع كل العقود فوراً، ومش عايزة أي تعامل مع الأسماء دي في أي حاجة تخص أملاكي.. ومن بكره، المصنع يتقفل لحد ما لجنة الجرد تخلص شغلها.
خرجت من البنك
وأنا رافعة راسي، ركبت تاكسي، ولأول مرة محستش ببرد المطر.. بالعكس، حسيت بدفا غريب في صدري. طلعت الموبايل واتصلت بالأستاذ هاني المحامي اللي كان واقف في الجنازة.
أيوة يا أستاذ هاني.. أنا خرجت من البنك.
رد عليا وصوته فيه نبرة فخر كنت عارف إنك هتعمليها.. جدتك الله يرحمها كانت عارفة إنك الوحيدة اللي صواني، وجهزت لك كل حاجة عشان لما يجي اليوم ده، م تكسريش لحد.
روحت البيت، بس مش بيتنا القديم اللي كان مليان خناق وإهانة.. روحت الشقة الصغيرة اللي جدتي كانت شايلاها ليا باسمي من غير ما حد يعرف. فتحت الشباك وبصيت للسما وقلت نامي وارتاحي يا كريمة.. حقك رجع، والزرعة اللي زرعتيها بقت شجرة، ومحدش هيقدر يهز فيها فرع واحد.
ومن اللحظة دي، بدأت حياة لمياء الجديدة.. البنت اللي كانت ملهاش لازمة في نظرهم، بقت هي اللي في إيدها مفاتيح حياتهم كلهم.
عدى أسبوع واحد، والحال اتقلب 180 درجة.
أبويا ونجلاء وهاني كانوا فاكرين إن الموضوع سحابة صيف وهتعدي، أو إني هحن وأرجع في كلامي زي كل مرة كنت بصالحهم فيها بعد ما يكسروا خاطري. بس المرة دي كانت مختلفة.. المرة دي كان معايا حق ومعايا تار لست عاشت وماتت وهي شايلة منهم.
كنت قاعدة في مكتب مدير المصنع اللي بقى مكتبي والأستاذ هاني المحامي داخل عليا ومعاه ملفات قد
كده. حط الملفات على المكتب وقال لي بنبرة جادة
يا لمياء، الجرد طلع بلاوي.. أبوكي وهاني كانوا بياخدوا من أرباح المصنع ويحطوا في حساباتهم الشخصية بعقود مضروبة، وجدتك الله يرحمها كانت كاشفة كل ده ومسجلاه باليوم والتاريخ في نوتة صغيرة كانت سايباها في الخزنة.
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل أبويا، بس مكنش رأفت اللي صوته بيهز البيت.. كان داخل وكتفه محني، ووشه باهت، ووراه نجلاء اللي كانت لامة شياكتها وبتحاول تبان غلبانة.
أبويا قال بصوت مرعوش يا لمياء.. المحضر جالي النهاردة بإخلاء الشقة.. إنتي بجد هترمي أبوكي في الشارع يا بنتي؟
بصيت له بكل هدوء، وسندت ضهري على الكرسي
أرميك في الشارع؟ ليه يا بابا؟ أنا بس بنفذ القانون.. الشقة دي من ضمن أصول الشركة، وإنت مابقتش موظف فيها عشان تسكن في سكن إداري.. مش ده الكلام اللي كنت بتقوله لعمال المصنع لما كنت بتمشيهم؟
نجلاء اتدخلت بشهقة مكتومة يا حبيبتي إحنا أهل، وبعدين المصنع ده خيره على الكل، بلاش تقطعي رزق أخوكي هاني.. ده لسه خاطب وعليه أقساط.
ضحكت بمرارة أخويا؟ هاني اللي كان بيضحك وأنا بلم دفتر جدتي من وسط الطينة؟ هاني اللي قال عليا شحاتة؟ خليه يورينا شطارته ويسدد أقساطه من عرق جبينه، مش من فلوس الست اللي كان مستخفي بدمها.
أبويا قرب من المكتب وحاول
يمسك إيدي، بس سحبتها يا لمياء، أنا غلطت.. كنت فاكر إن المال ده مال أمي وأنا أولى بيه.. مكنتش أعرف إنها شايلاهولك إنتي.
رديت عليه بحدة لأ يا بابا، إنت كنت عارف إنها بتحبني، وده اللي كان بيخليك تقسى عليا.. كنت عايز تكسرني عشان تكسر كلمتها.. بس جدتي كانت أذكى منكم كلكم.. كانت عارفة إن الدفتر ده مش بس فلوس، ده كان اختبار.. ولو كنتوا بس طبطبتوا عليا في الجنازة أو حتى سكتوا، كنت يمكن قسمت معاكم كل حاجة.. بس إنتوا اختاروا تضحكوا، ودلوقتي جه دوري أنا.
فتحت الدرج وطلعت شيك بمبلغ بسيط، ورميته على المكتب
ده مبلغ يكفيكم تأجروا شقة معقولة لمدة سنة، ويدوب يمشيكم شهرين تلاتة.. ده مش حقكم، ده صدقة على روح جدتي كريمة.. ومن اللحظة دي، أي كلام بينا هيبقى عن طريق الأستاذ هاني المحامي.
أبويا بص للشيك، وبص للصور اللي على المكتب لجدتي وهي بتضحك، وحس لأول مرة بصغر حجمه قدام البنت اللي كان فاكر إنها ملهاش ضهر.
خرجوا من المكتب وهما بيجروا أذيال الخيبة، وأنا قمت وقفت قدام الشباك، وبصيت للمصنع والعمال اللي شغالين بجد لأول مرة بعد ما الظلم اتشال عنهم.
طلعت الدفتر الأزرق القديم من شنطتي، وبسته وحطيته في الخزنة الحديد.. الدفتر ده مكنش مجرد رصيد في بنك، ده كان صرخة ست قوية بتقول لبنتها اوعي تطاطي راسك.
. حتى وإنتي في وسط الطين.
تمت.

تم نسخ الرابط