بيت الطفوله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​الراجل العجوز ابتسم وقال: "أمك لسه ذكية زي زمان.. بس للأسف، مفيش حد هيخرج من هنا ومعاه دولار واحد."
​وفجأة، النور بتاع البيت كله قطع، وسمعت صوت تكة المسدس وهي بتتحضر في ا
​رميت الموبايل من إيدي وبسرعة استخبيت ورا باب الأوضة المفتوح، قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة إن الراجل سامع دقاته.
​سمعت خطواته بتقرب ببطء، وصوته المبحوح بيقول في الضلمة: "اطلعي يا شاطرة.. هتتعبي نفسك ع الفاضي، البيت ده أنا حافظه ركن ركن قبل ما أنتي تتولدي أصلاً."
​فجأة، سمعت صوت خبط ورزع جامد على الباب اللي ورا، باب المطبخ اللي بيطل على الجنينة اللي كانت مهجورة. الراجل اتنفض ووجه المسدس ناحية الصوت وهو بيزعق: "مين هناك؟"
​استغليت اللحظة دي، وبأقصى سرعة عندي، زقيت دولاب الخزين القديم اللي كان جنب الحيطة المهدودة بكل قوتي.. الدولاب وقع عليه بحمل كبير، والمسدس اتنطر من إيده وضرب طلقة في السقف.
​جريت ناحية الباب، بس قبل ما أخرج، شفت خيال حد داخل من باب المطبخ.
. راجل طويل، لابس كاب ومغطي وشه، وفي إيده حديدة. قلبي وقع في رجلي، قلت خلاص ده اللي أمي قالت عليه.. ده أبويا!
​الراجل اللي بالكاب مابصش ناحيتي حتى، وراح هجم على الراجل العجوز اللي تحت الدولاب وفضل يضرب فيه بغل وهو بيقول: "قلتلك لو قربت لعيالي هنهي حياتك.. أنا سبتلك البيت والفلوس السنين دي كلها عشان تبعد عنهم، ورجعت برضه؟"
​وقفت مذهولة.. الصوت ده مش غريب عليا. ده صوت أبويا فعلاً، بس مكسور وعجوز جداً.
​بص ناحيتي والنور بتاع كشاف الموبايل اللي كان واقع على الأرض ضوي على وشه.. كان فعلاً هو، بس ملامحه كانت متبهدلة. قالي بلهفة وهو بيتكحل: "يا بنتي اطلعي من هنا حالاً.. الشنط دي ملعونة، والناس اللي بيدوروا عليها لسه بره في العربيات.. أنا اللي بعت المزاد عشان تشتري البيت، كنت فاكر إني هعرف أحميكي، بس طلعوا مراقبينك من أول ما دخلتي."
​وفجأة، سمعنا صوت سرينة بوليس بتقرب، وصوت ضرب نار بره البيت. أبويا مسك إيدي وقالي: "المدخل السري اللي
في الأوضة مش بس للفلوس.. ده فيه سرداب بيطلع على الشارع اللي ورا.. امشي ومتبصيش وراكي، وسيبي كل حاجة!"
​بصيت لشنط الفلوس، وبصيت لأبويا اللي ضيع عمره هربان، وخدت قراري.

سيبت شنط الفلوس مكانها.. مكنتش عايزة سنت واحد من الفلوس اللي دمرت عيلتنا وكسرت أبويا. مسكت إيد أبويا بقوة وقلتله: "مش هتمشي لوحدك يا بابا، اللي فات مات، والفلوس دي هي اللي جابتلنا المصايب.. يلا نمشي من هنا."
​أبويا بصلي بذهول، كان فاكر إني هطمع في الكنز، بس لما شاف نظرة عيني، هز راسه وخدني من إيدي ودخلنا السرداب اللي ورا الشنط. كان ممر ضيق وريحته تراب، بنمشي فيه وصوت ضرب النار بره بيعلى ويقرب.
​خرجنا من فتحة مدارية ورا شجر كثيف في آخر الشارع اللي ورا. كانت الدنيا لسه بتمطر، زي الليلة اللي اطردنا فيها من البيت بالظبط. بصيت للبيت لآخر مرة، شفت عربيات سوداء محاوطاه ورجالة بأسلحة داخلين يقتحموه، وبعد ثواني انفجار هز المكان كله.. البيت ولع، والسر اللي جواه اتحرق معاه.


​أبويا وقف يتفرج والنار بتنعكس في عينه، ودموعه نازلة. قالي بصوت واطي: "كده انتهت يا بنتي.. الكابوس اللي عاش معايا عشرين سنة خلص."
​خدته وركبنا عربيتي، وطول الطريق مكنتش قادرة أصدق إن الراجل اللي كان غريب عننا السنين دي كلها قاعد جنبي. وصلنا عند شقة أمي، وأول ما فتحت الباب وشافته، وقعت على ركبها وهي بتصرخ من الصدمة.
​قعدنا كلنا، وحكى لينا الحقيقة.. إنه كان مجرد شاهد على جريمة كبيرة تخص ناس واصلين، وعشان يحمينا، اضطر يمثل إنه خسر فلوسه ويهرب بالشنط دي ويخبيها في البيت ويختفي هو، عشان "العصابة" تفتكر إنه مات أو هرب بالفلوس بعيد.
​تاني يوم، عرفنا من الأخبار إن البيت اتحرق بالكامل وتفحم، والشرطة لقت جثة "الراجل العجوز" بس.
​دلوقتي، بنبدأ من جديد.. ممعناش كنز، ولا معانا البيت اللي حلمت بيه، بس معانا "بابا" اللي رجع من الموت، وراحة البال اللي الفلوس عمرها ما كانت هتشتريها.
​أنا خسرت البيت للمرة التانية.. بس المرة دي، أنا اللي اخترت
أخسره عشان أكسب عيلتي.

تم نسخ الرابط