الاب يوقف الدعم حكايات صافي هاني
قفلت السكة.
قمت وقفت في البلكونة، شربت قهوتي وهي سخنة المرة دي. لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت عندي هادي.. وفاضي.. ونضيف.
الدرس كان غالي، بس هما اللي اختاروا يدفعوا التمن "أدب وشياكة".
بصيت للموبايل وهو لسه بينور برسايل استعطاف، رميته على الكنبة وقمت دخلت المطبخ أعمل لنفسي ساندوتش جبنة بسيط.. حاجة كدة تفكرني بأيام التكليف لما كنت بنام على السرير الحديد وأنا راضي.
الساعة بقت 10 بالليل، الباب خبط خبط هستيري. فتحت الكاميرا، كان "هاني". وشه كان عرقان، رابطة العنق (الكرافتة) مفكوكة، ومنظره لا يليق بـ "ابن دكتور" ولا بـ "صاحب فيلا في زايد".
فتحت الباب ووقفت على العتبة، ما سمحتلوش يدخل.
هاني نهج: "يا بابا، أنت دمرتني.. رانيا سابت البيت وراحت عند أهلها بالضيوف، وقالتلي مش هترجع غير لما الميه ترجع لمجاريها.. الفضيحة كانت بجلاجل قدامهم!"
بصيت في عينه وقلتله: "الفضيحة مش إنك ما عندكش فلوس يا هاني، الفضيحة إنك نسيت مين اللي عملك. أنت كنت عايزني أحضر 'المراسم' وأمشي قبل 'الوليمة'.. كأني شغال عندك،
هاني نزل على ركبه: "طيب وابني؟ 'زين' ذنبه إيه مدرسته تضيع؟"
رديت عليه بمنتهى القسوة اللي اتعلمتها من غرف الطوارئ: "ابنك ذنبه إن أبوه ما اتعلمش الرجولة. والده بيصرف عليه من جيب جده وهو بيطرده من البيت. علمه يعتمد على نفسه يا هاني، زي ما أنا علمتك.. بس الظاهر أنا اللي فشلت في تعليمك الأهم: إن السفرة اللي ما تشيلش أبوك، تتكسر فوق دماغ اللي قاعدين عليها."
هاني سأل بصوت مكسور: "هتعمل إيه في الفيلا؟"
قلتله: "المحامية بلغتني إن فيه مشتري جاهز.. رجل أعمال محترم، قالي إنه عايز بيت كبير يلم فيه عيلته كلها، وأهم حاجة عنده إنه هيخصص 'جناح كامل' لوالده ووالدته."
قفلت الباب في وشه.
رجعت لمكتبي، فتحت الورقة الزرقاء اللي كانت المحامية مجهزاها، ومضيت اسمي بخط عريض وواضح في الخانة الفاضية.
"تم نقل الملكية".
النهاردة بس عرفت إن الصمت اللي كنت بعيشه عشانهم كان غلط.. الصمت الحقيقي هو إنك تسيب اللي ما قدركش يواجه الدنيا لوحده،
شربت آخر بق في القهوة، ودخلت نمت نوم عميق، لأول مرة من تلاتين سنة.. من غير ما أشيل هم حد مش شايل همي.
بعد أسبوع، كنت قاعد في "تراس" فندق صغير في أسوان، الشمس دافية والنيل هادي قدامي، وموبايلي مقفول في الشنطة. مش عايز أسمع صوت حد، ولا عايز أعرف "رانيا" قالت إيه لما المحضر وصلها بإنذار الإخلاء، ولا عايز أشوف صور "هاني" وهو بيحاول يلم عفشه في عربية نص نقل بعد ما البنك سحب الـ BMW اللي كانت أقساطها بتتدفع من حسابي.
فجأة، لقيت "أستاذة شيرين" المحامية بتكلمني على تليفون الأوتيل.. ردت وقالتلي: "يا دكتور، هاني باعتلي وسيط، بيقول إنه مستعد يجي يبوس رجلك بس ترجع في قرار البيع، وإن رانيا اعتذرت وقالت إنها كانت مضغوطة من أهلها."
ضحكت ضحكة مكتومة وقلتلها: "يا شيرين، الضغط بيبيّن المعدن.. هما معدنهم طلع صفيح مصدي. قولي له إن الفيلا اتباعت فعلاً، والشيك دخل حساب 'مؤسسة خيريّة' لرعاية المسنين اللي ولادهم رموهم.. قولي
رجعت راسي لورا وبصيت للسما. الغريب إني ما كنتش حزين، كنت حاسس بخفة غريبة، كأني رميت حمل تقيل كان واجع ضهري سنين.
الناس فاكرة إن الأهل "بنك" ملوش نهاية، بيسحبوا منه حب وفلوس ووقت، ولما البنك يطالب بحقه في الاحترام، يقولوا عليه "قاسي".
فتحت الموبايل لثواني، لقيت رسالة أخيرة من "زين" حفيدي.. الولد الصغير كاتبلي: "جدو، أنا آسف.. بابا قالي إنك سافرت عشان تعبان، بس أنا عرفت إنهم زعلوك. أنا لسه بحبك، ومكاني جنبك دايماً."
دمعة واحدة نزلت من عيني، مسحتها بسرعة. خدت نَفَس طويل وكتبت له: "يا زين، جدك مش تعبان.. جدك لسه صاحي من النوم. خليك راجل، وابني سفرتك بنفسك، وعمرك ما تنسى مين اللي حط أول طوبة في حياتك."
قفلت الموبايل ورميته في الشنطة تاني.
مشيت على كورنيش النيل، وسط ناس ما تعرفنيش ولا تعرف "الدكتور المشهور" ولا "صاحب الفيلل". كنت مجرد راجل عجوز، لابس قميص كتان خفيف، بيتمشى وهو رقبته مرفوعة.. لأول مرة بحس إن "المكان" اللي أنا فيه دلوقت،
تمت.