انتقام من الماضي حكايات صافي هاني
أول حاجة عملتها فانيسا زكي لما شافتني في حفلة اللمة بعد عشر سنين من الثانوي، هي إنها ضحكت كأن مفيش حاجة اتغيرت. وتاني حاجة عملتها، إنها كحتت بقايا الأكل الباردة اللي في طبقها وزقتهم في صدري قدام الكل.
قالت بصوت عالي عشان تتأكد إن القاعة كلها سامعاها خدي يا حبيبتي.. عشان خاطر أيام زمان.
سلطة البطاطس بدأت تتزحلق من على حرف الطبق، وعضمة فرخة خبطت في فستاني الأسود. حوالينا، تلاتين واحد من زمايلنا زمان لفوا وشهم عشان يتفرجوا، وشفت نفس الوشوش اللي فاكراها من المدرسةالناس اللي عمرهم ما مدوا إيدهم بأذى، بس دايمًا بيحبوا يتسلوا بالعرض.
لثانية واحدة، حسيت إني رجعت بنت عندها 16 سنة تاني. واقفة في الكانتين والكاكاو بيشرّ من شعري، وفانيسا ماسكة مذكراتي الخاصة في إيد، وميكروفون مسروق في الإيد التانية.
يومها فانيسا أعلنت قدام المدرسة كلها وهي بتقرأ كلامي دي فاكرة نفسها هتبقى حاجة مهمة.. المسكينة نورا بدر مصدقة فعلاً إن ناس زينا ممكن يعبروها!
الكل ضحك يومها. ضحكوا وأمي بتموت، وأبويا بيختفي من كتر الحزن، وأنا بكتب أحلامي في كشكول لأن الورق كان المكان الوحيد اللي مبيسخرش مني.
دلوقتي فانيسا واقفة قدامي، لابسة ألماس وحرير أحمر ونفس الابتسامة الصفراء اللي كانت مرسوما على وشها وهي عندها 17 سنة. وراها، جوزها شريف كان عمال يلمع في ساعته الروولكس، واتنين من شلتها القديمة مطلعين موبايلاتهم
فانيسا ميلت رأسها وقالت ساكتة ليه؟ لسه خيبة زي ما أنتي؟
بصيت للطبق اللي كانت كبساه في فستاني، وبعدين بصيت في عينيها.
قلت لها أنتي متعرفنيش.
رفعت حاجبها وقالت وهو أنا محتاجة أعرفك؟
هنا أنا كنت هبتسم. لأن اليافطة اللي فوقنا كان مكتوب عليها دفعة 2016، وقاعة الفندق في وسط البلد كانت بتلمع بالنجف والكاسات، ويافطات الرعاة الرسميين مالية المكان وهي بتشكر شركة زكي للعقارات على تبرعها الكريم.
فانيسا دفعت دم قلبها عشان تخلي الليلة دي عن نفسها وبس. كانت عاوزة الكل يشوف الفلوس، والجوز، والفستان البراند، والحياة المثالية.
بس أنا مجيتش عشان الذكريات.. أنا جيت عشان الدعوة كانت مفيدة لشغلي.
فانيسا قربت مني ووطت صوتها بحيث يبان إنه كلام خاص بس عالي كفاية للناس اللي حوالينا خليني أخمن.. أنتي شغالة هنا؟ في البوفيه؟ ولا تبع شركة النظافة؟
شويه ناس ضحكوا. مش عشان الكلمة تضحك، بس عشان القسوة بتبقى سهلة لما الغني هو اللي بيبدأها.
فانيسا كملت بابتسامة مزيفة متتكسفيش.. إحنا محتاجين ناس زيك.
حطيت الطبق على أقرب ترابيزة.. ببطء وبكل هدوء. وبعدين مديت إيدي في الجيب الداخلي للجاكيت بتاعي.
فانيسا ضحكت إيه ده؟ كوبون خصم؟
طلعت كارت شخصي واحد وحطيته في نص طبقها المليان زيت. كارت أبيض، حروف سودة، من غير أي زينة.
عينيها نزلت على الكارت.
وفجأة،
الضحك اللي حوالينا سكت خالص قبل ما حد يفهم في إيه.
قربت منها واتكلمت بهدوء لدرجة إنها هي بس اللي سمعت الخطر اللي في صوتي
اقري اسمي يا فانيسا.
رعشة خفيفة جات في شفايفها.
بصت بصه سريعة لجوزها، اللي كان لسه مشغول بساعته، ومش فاهم أصلاً أنا دخلت القاعة دي إزاي.
قلت لها قدامك تلاتين ثانية قبل ما شريف يفهم أنا هنا ليه.
فانيسا بصت للكارت تاني.
والمرة دي، قرأت الاسم المكتوب بتركيز
نورا بدر.. الرئيس التنفيذي لمجموعة بيلمونت كابيتال.
إيدها اتجمدت مكانها.
لأن بيلمونت كابيتال مكنتش مجرد شركة.. دي كانت شركة الاستثمار اللي اشترت في صمت كل الديون والقروض اللي قايمة عليها مجموعة زكي للعقارات.
وعلى نص الليل، الإمبراطورية الصغيرة اللي فانيسا عايشة فيها كانت هتبقى ملك للبنت اللي كانت بتهينها قدام الكل.
يتبع في الجزء الثاني...
فانيسا فضلت واقفة مكانها، مذهولة، واللون هرب من وشها تماماً. الضحكة اللي كانت مالية القاعة قلبت همس وتوشوش بين الناس اللي بدأوا يحسوا إن الدور اتقلب.
شريف، جوزها، أخد باله أخيراً إن فيه حاجة غلط. ساب ساعته وقرب وهو راسم ابتسامة رجل الأعمال الواثق وقال في إيه يا فانيسا؟ مين دي؟
فانيسا حاولت تبلع ريقها، صوتها طلع مهزوز وهي بتقول دي... دي نورا. نورا بدر.
شريف كشر وهو مش فاكر الاسم نورا مين؟ وبعدين عينه وقعت على الكارت اللي في إيد فانيسا. أول ما قرأ
قربت خطوة تانية من فانيسا، ونفضت طرف فستاني من بواقي الأكل ببرود تام وقلت الشركة بتاعتكم يا شريف بيه، مديونة ب ٤٠٠ مليون جنيه لبنوك مختلفة. والنهاردة الصبح، شركتي اشترت المديونيات دي بالكامل. يعني من اللحظة دي، أنا اللي بملك المكاتب اللي بتقعدوا فيها، والعربيات اللي بتركبوها... وحتى القاعة اللي أنتم عازمين فيها الناس دي، أنا اللي دافعة تمنها.
القاعة سكتت سكوت مرعب. الاتنين اللي كانوا بيصوروا بالموبايلات نزلوا إيديهم بكسوف وخوف.
شريف وشه بقى أحمر وبدأ يتلعثم يا نورا هانم.. أكيد فيه سوء تفاهم.. إحنا ممكن نقعد ونحل الموضوع ودي..
قطعت كلامه وبصيت لفانيسا اللي كانت بتبص للأرض ومنهارة الحلول الودية كانت زمان يا شريف، لما كنت بطلب من فانيسا تبطل تلطخ لبسي وتسرق حاجتي. بس هي كان عاجبها العرض قوي.
بصيت في ساعتي وقلت ببرود ال ٣٠ ثانية خلصوا. بكرة الصبح الساعة ٩، فانيسا هتيجي مكتبي بنفسها، ومعاها اعتذار رسمي مكتوب، وتفويض بالتنازل عن حصتها في الشركة مقابل إننا منعلنش إفلاسكم النهاردة.
فانيسا رفعت راسها وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي دموع رعب مش تمثيل نورا.. أرجوكي.. بلاش الفضيحة.
ابتسمت لها نفس الابتسامة اللي كانت بتديهالي وأنا في تانية ثانوي وقلت لها متقلقيش.. مفيش فضيحة. أنا بس بحب أرد الجميل.. عشان خاطر أيام زمان.
أخدت