انتقام من الماضي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

وكل الوشوش اللي ضحكت عليا زمان كانت بتبصلي دلوقتي بخوف واحترام مش مستحق.
وأنا خارجة من باب القاعة، سمعت صوت طبق بيقع ويتكسر ورايا.. غالباً كان طبق فانيسا اللي ملقيتش إيد تشيله.
خرجت من باب القاعة، والهوا البارد بتاع شيكاغو خبط في وشي، حسيت لأول مرة من عشر سنين إن صدري مابقاش تقيل. الوجع اللي كان محبوس جوه نورا البنت الصغيرة، كأنه اتبخر مع أول خطوة بعيد عنهم.
وقفت قدام الفندق مستنية العربية، وفجأة سمعت صوت كعب بيجري ورايا ونهجان. لفت وشي لقيت فانيسا.. من غير الأبهة اللي كانت فيها، وشها باهت، والماسكرا بدأت تسيح من عينيها.
نورا! استني! ندهت وهي بتحاول تلم شتات نفسها.
وقفت وبصيت لها ببرود لسه فيه بقايا أكل تانية عاوزة ترميها؟
فانيسا بدأت تعيط بجد أنا آسفة.. مكنتش أعرف.. مكنتش أعرف إنك وصلتي لكل ده. شريف هيطلقني لو خسرنا الشركة، دي ورثة عيلته كلها. أرجوكي، إحنا عندنا عيال.. بلاش تخربي بيتنا.
ضحكت ضحكة قصيرة مكتومة غريبة.. دلوقتي افتكرتي العيال والبيت؟ وأنا عيلة عندي 16 سنة، لما كنتي بتهيني كرامتي قدام المدرسة كلها وأنا مليش حد، مفكرتيش ليه إنك بتخربي بيتي النفسي؟ لما كنتي بتقرئي مذكراتي
وأنا أمي لسه مدفونة، مفكرتيش إنك بتدوسي على جرح مبيلمش؟
حاولت تمسك إيدي بس سحبتها بسرعة نورا، أنا كنت صغيرة ومجنونة.. الكل بيغلط!
قربت منها وهمست انتي مغلطتيش يا فانيسا، انتي استمتعتي. والفرق كبير. أنا مش جاية أخرب بيتك عشان انتقم.. أنا جاية أسترد حقي من الدنيا. والشركة بتاعتكم بالنسبة لي مجرد صفقة بيزنس ناجحة، أما كرامتي.. فدي تمنها إنك تشوفي نفسك وانتي مكسورة، زي ما كنت بشوف نفسي في مراية الحمام كل يوم بسبك.
العربية السوداء وصلت ووقفت قدامنا. السواق نزل وفتح لي الباب.
بصيت لها آخر بصه قبل ما أركب بكرة الساعة 9 يا فانيسا. لو اتأخرتي دقيقة واحدة، هخلي المحاميين بتوعي يرفعوا قضية الحجز التحفظي، وهتخرجي من فيلتك بشنطة هدومك بس.. زي ما أنا خرجت من مدرستنا زمان، ماليش غير هدومي اللي متبهدلة بشغلكم.
ركبت العربية وقفتلت الباب. ومن ورا الإزاز الغامق، شفتها وهي واقفة لوحدها في البرد، منهارة، والناس اللي كانوا بيضحكوا معاها جوه، بدأوا يخرجوا ويمروا من جنبها ولا كأنهم يعرفوها.
سندت راسي على الكرسي وغمضت عيني. مكنش فيه طعم انتصار مر، بالعكس، كان فيه راحة.
فتحت الموبايل وبعتت رسالة للمساعد بتاعي
جهز ورق الاستحواذ النهائي لشركة زكي. اللعبة خلصت.
تاني يوم الصبح، الساعة دقت 9 بالظبط.
كنت قاعدة في مكتبي في الدور الخمسين، باصة على النيل من ورا القزاز، وفي إيدي فنجان القهوة السادة. الباب خبط، والمساعدة بتاعتي دخلت وقالت بابتسامة عملية يا فندم، مدام فانيسا زكي برا.. ومعاها جوزها، ومنهارين تماماً.
قلت ببرود دخليهم.
دخلت فانيسا، كانت لابسة أسود في أسود، وعينيها منفوخة من كتر العياط. شريف كان ماشي وراها زي الخيال، وشه باهت وضايع. مكنش فيه أثر للرولكس ولا للمنظرة بتاعة ليلة امبارح.
شريف بدأ الكلام بصوت مرعوش نورا هانم، إحنا جبنا كل الورق، والاعتذار مكتوب زي ما طلبتي.. بس أرجوكي، بلاش تمضي قرار الحجز، إحنا هنمضي على التنازل عن الحصص بهدوء.
فتحت الدوسيه اللي قدامي وبصيت في الورق ببطء، متعمدة أسيب الصمت ياكل في أعصابهم. فانيسا كانت بتفرك في إيديها ودموعها نزلت تاني.
قلت وأنا بوقع على الورق عارفة يا فانيسا.. امبارح بالليل وأنا براجع حسابات شركتكم، اكتشفت إنكم كنتوا بتتبرعوا للمدرسة بمبالغ خيالية كل سنة عشان يحطوا اسمكم على الحيطان.. في نفس الوقت اللي كنتوا بتخصموا فيه من مرتبات العمال الغلابة
عندكم.
بصيت لها في عينها مباشرة انتي مكنتيش بتعملي خير، انتي كنتي بتشتري برواز يداري القباحة اللي جواكي.
رميت القلم على المكتب وقلت تم التوقيع. من اللحظة دي، شركة زكي للعقارات بقى اسمها مجموعة بدر العقارية. ومكاتبكم هتتخلى في ظرف 24 ساعة.
فانيسا شهقت يعني إيه؟ هنروح فين؟
قمت وقفت ورحت ناحية الشباك دي مش مشكلتي. بس كنوع من الكرم اللي اتعلمته منكم.. أنا عينت شركة نقل عفش على حسابي تنقلكم لأصغر شقة عندكم في العشوائيات.. اللي كنتوا بتسموها سكن بديل للفقراء.
شريف حاول يتكلم بس فانيسا سكتته وهي بتبكي بحرقة.
قلت لها وأنا بلف وشي ليهم تقدري تمشي دلوقتي. ال 30 ثانية بتوعك خلصوا من زمان.. والمرة دي، مفيش جزء تاني للحكاية. دي النهاية.
خرجوا من المكتب وهما مكسورين، وأنا رجعت قعدت على مكتبي. سحبت الكشكول القديم بتاعي من درج المكتب، الكشكول اللي فانيسا قرأت منه أحلامي وسخرت مني قدام المدرسة كلها.
فتحت آخر صفحة، وشطبت ببطء على جملة كنت كاتباها وأنا عندي 16 سنة هل هيجي يوم وأقدر أخد حقي؟
كتبت مكانها بخط عريض وواثق الحق مبيجيش.. الحق بيتاخد.
قفلت الكشكول، وابتسمت لأول مرة من قلبي، وشربت آخر بوق في القهوة
وهي لسه سخنة.
النهاية.

تم نسخ الرابط