كابوس تحت السرير حكايات صافي هاني
طلعت من تحت السرير ببطء. أول ما شافتني، الموبايل وقع من إيدها ووشها بقى لونه أبيض زي الورقة. صرخت صرخة مكتومة واستخبت في ركن السرير وهي بتترعش.
— بابا! أنا.. أنا كنت هقولك.. والله كنت هقولك.
قعدت قدامها على الأرض، مكنتش غضبان، كنت مكسور على نفسي إني سبتها توصل للمرحلة دي لوحدها. خدتها وهي بدأت تنهار وتحكي لي عن "الجروب" اللي دخلته وعن الشخص اللي استغل ثقتها وبدأ يهددها بصورها وطلب منها مبالغ خيالية عشان ميفضحهاش قدام المدرسة.
بصيت في عينيها وقولتلها بصوت ثابت:
— متخافيش يا لوسيا.. الكابوس ده خلص النهاردة. أنا معاكي، وهنجيب حقك بالقانون، ومحدش هيلمس شعرة منك طول ما أنا عايش.
في اليوم ده، اتعلمت إن دور الأب مش بس إنه يأكل ويشرب، دوري إني أكون "السر" اللي بنتي متخافش تحكيه، والسند اللي تترمي فيه لما العالم كله يهددها. وقفلنا الباب ده للأبد، وبدأنا رحلة علاج حقيقية عشان نرجع لوسيا اللي كانت بتضحك من قلبها.
بعد ما الهدوء رجع للبيت شوية، خدت الموبايل منها. إيدي كانت بتترعش
لوسيا كانت بتبص لي بخوف، مستنية رد فعلي، مستنية "العلقة" أو الزعيق اللي أي أب في مكاني ممكن يعمله. بس أنا بصيت لها وقولت لها:
— "قومي اغسلي وشك والبسوا.. إحنا هنروح دلوقتي حالا نبلغ مباحث الإنترنت."
روحت بيها، وهناك اكتشفت إننا مش لوحدنا، إن فيه مئات البنات بيقعوا في نفس الفخ ده. الضابط طمنا إنهم بيقدروا يوصلوا لأصحاب الحسابات دي مهما استخبوا ورا شاشات، وبدأوا فعلاً الإجراءات الرسمية.
لما رجعنا البيت، فيرونيكا كانت مستنيانا، وشها كان كله أسئلة. حكيت لها كل حاجة.. وفي اللحظة دي، وقع القناع اللي كنا لابسينه، قناع "الأسرة المستقرة اللي مفيش عندها مشاكل". عرفنا إننا كنا مقصرين، مش في الفلوس، لكن في "الوقت".
من اليوم ده، البيت مابقاش فيه أبواب مقفولة بالمفتاح.
لوسيا بدأت تروح لجلسات دعم نفسي
الجارة، ست إستيلا، لما شفتها تاني يوم، مكنتش مجرد جارة "لتاتة"، دي كانت الملاك اللي ربنا بعته عشان ينقذ بنتي. روحت لها وبست إيدها وقولت لها:
— "شكراً إنك مكنتيش بتألفي حكايات.. شكراً إنك فوقطيني قبل ما أخسر أغلى ما عندي."
اتعلمت إن "العادي" اللي بنسمعه كل يوم من ولادنا، ساعات بيبقى وراه بركان.. وإن الأب الحقيقي مش اللي بيجيب لقمة العيش وبس، الأب الحقيقي هو اللي بيعرف يقرأ الوجع في عين بنته حتى وهي ساكتة.
بعد شهور من الحكاية دي، البيت حاله اتقلب تماماً. لوسيا بدأت ترجع تضحك تاني، ونور أوضتها بقى دايماً منور، والباب اللي كان مقفول بالساعات مابقاش يتورب حتى.
في يوم، كنت قاعد معاها في الصالة بنشرب شاي، لقتها بصت لي وقالت بصدق:
— "تعرف يا بابا؟ أنا كنت فاكرة إن لو حكيت لك، هبقى خيبت أملك فيا، وإنك هتشوفني بنتك الفاشلة اللي غلطت."
مسكت إيدها وقولتلها:
— "يا بنتي، أنا اللي كنت فاشل في إني محسسكيش إن أمان لأي غلطة.
الموضوع مخلصش بس عند لوسيا، أنا بدأت أوعي صحابي في الشغل، والناس اللي أعرفهم، إنهم يفتشوا في "السكوت" بتاع ولادهم أكتر ما بيفتشوا في درجات شهاداتهم. الابتزاز ده مكنش مجرد جريمة إلكترونية، ده كان اختبار لبيتنا، والحمد لله إننا نجحنا فيه في آخر لحظة.
القضية مشيت في طريقها، والمجرمين اللي كانوا فاكرين إنهم مستخبيين، القانون جابهم، وده برد نار لوسيا وخلّاها تحس إن حقها مرجعش بس، لا دي كرامتها كمان رجعت لها قدام نفسها.
ودلوقتي، كل ما أعدي من قدام باب "ست إستيلا" وأشوفها قاعدة في بلكونتها، ببتسم لها من قلبي. لولا "لت وعجن" الجيران اللي كنت فاكره تطفل، كان زماني النهاردة بدفن بنتي بالحيا وهي تحت سقف بيتي.
الخلاصة اللي طلعت بيها من اللي حصل:
البيت مش حيطان وسقف وشوية عفش، البيت هو إننا نحس ببعض من غير ما نتكلم، وإن الأب هو السور اللي بنته بتتسند عليه لما الدنيا كلها تميل عليها، مش الجلاد اللي بتهرب
تمت.