العوده الي المنزل حكايات صافي هاني
شلت شيلة أخويا ودخلت السجن سنتين بداله.
هو ومراته الحامل اللي عملوا الحادثة، بس أهلي فضلوا يبوسوا إيدي ويتحايلوا عليا أقول إني أنا اللي كنت سايقة. وعدوني إنهم هيشيلوني في عنيهم وهيعوضوني أول ما أخرج.
ولما خرجت أخيراً، سمعت مرات أخويا بتقول:
"مبيدخلش بيتنا خريجين سجون."
وبعدها رشت عليا كحول وقالتلي ده عشان تضيع "ريحة وطاقة السجن" اللي فيا.
أوضتي اتمسحت من الوجود.. حاجتي كلها اختفت.
أهلي رمولي 200 دولار وقالولي شوفي لك أي لوكاندة نامي فيها.
ومرات أخويا كملت عليا وقالت:
"زمان كان ليكي لازمة ومصلحة، إنما دلوقتي إنتي مجرد عار وفضيحة لينا."
ضحكت وخرجت، وطلبت المحامي بتاعي فوراً.
عشان لسه معايا تسجيلات المكالمات، والشاهد، والدليل اللي افتكروا إني نسيتهم.
الجزء الأول
سمعت مرات أخويا بتقولها قبل ما حتى أخبط على الباب.
"مبيدخلش بيتنا خريجين سجون."
وقفت مكاني قدام الباب الأخضر لبيتنا الصغير اللي اتربيت فيه. سنتين بحلم باللحظة دي وأنا على برش السجن؛ إني أرجع وأشم ريحة قهوة أمي، وأسمع بابا بيقولي "يا حبيبة بابا"، وآخد أخويا "دييجو" في حضني وأحس إن الكابوس خلص.
بس الاستقبال اللي كان مستنيني ورا الباب مكنش حب.. كان غدر.
"خلصي يا كارمن،" صوت لوسيا مرات أخويا جاي من جوه، "عندي ميعاد متابعة حمل النهاردة، وبسبب أختك لسه هنروح للشهر العقاري عشان ننقل البيت باسم دييجو."
أمي ردت بصوت واطي: "ده عشان نأمن نفسنا بس.. إيزابيلا راجعة النهاردة، وبالسجل بتاعها
في حاجة جوايا انكسرت.
من سنتين، دييجو ولوسيا خبطوا راجل وهما سايقين عربيتي وهما سكرانين. كانوا ماشيين عكس الاتجاه، ولما رجعوا البيت والدموع في عينيهم، العيلة كلها اتجننت.
أهلي ركعوا تحت رجلي وباسوا إيدي ألبس أنا القضية.
"أخوكي قلبه ضعيف."
"لوسيا لسه عروسة."
"إنتي قوية وهتستحملي."
"لما تخرجي، هنشيلك فوق راسنا ونعوضك عن كل تعبك."
صدقتهم.. للأسف صدقت كل كلمة.
رفعت إيدي وأنا بتنفض وخبطت على الباب.
أمي فتحت، وبان عليها الصدمة والارتباك لدرجة كانت هتضحكني.
قالت: "إيزابيلا.. جيتي؟ شكلك بقيتي رفيعة أوي."
حاولت أقرب أحضنها، بس لوسيا ظهرت وراها ومعاها بخاخة كحول.
قبل ما أنطق بكلمة، رشتني من راسي لرجلي.
قالت وهي سادة مناخيرها: "متزعليش، ده بس عشان نطهر البيت من طاقة السجن اللي لزقت فيكي."
الكحول الساقع جه على وشي وهدومي.
أمي محركتش ساكن.
بابا حتى مقمش من قدام التليفزيون.
ودييجو واقف بعيد باصص في الأرض.
دخلت وأنا ساكتة، لأني لو اتكلمت كنت هنهجر فيهم.
روحت علطول على أوضتي القديمة.
الأوضة دي هي اللي كانت مصبراني على السجن.
كنت حافظة شكل الستائر الزرقاء، ورف الكتب، وصورتي أنا ودييجو وإحنا صغيرين.
كنت بتخيل نفسي نايمة على سريري وبطانيتي عشان أعرف أنام في السجن.
بس لما فتحت الباب، ملقتش أوضتي.
كراتين مرصوصة فوق بعض، لبس بيبيهات مالي الدولاب، وأكياس زبالة وكراكيب مغرقة الأرض.
صوري ممسوحة.
ذكرياتي كلها اتمسحت.
لفيت براحة وسألت: "فين حاجتي؟"
بابا حتى مبصليش وهو بيتفرج على التليفزيون: "لوسيا حامل ومحتاجة مساحة للبيبي، وحاجتك مكنش ليها لازمة خلاص."
كلمة "لازمة" دي وجعتني أكتر من خبطة باب السجن ورايا.
بصيت لأمي: "طيب أنام فين؟"
فتحت شنطتها وطلعت ورقتين بـ 100 دولار ورمتهم على التربيزة.
قالت: "شوفي لك فندق رخيص كام ليلة، إنتي دلوقتي واحدة كبيرة وتعرفي تتصرفي."
لحظة ومبقتش قادرة أتنفس.
ضيعت سنتين من عمري عشانهم.. عيدين ميلاد.. سنتين من الذل والإهانة.
وفي الآخر بيدوني 200 دولار كأني عبء وعاوزين يخلصوا منه؟
بصيت لدييجو.. أخويا الصغير اللي حميته.. اللي دخلت السجن بداله.
همست: "دييجو.. إنت كمان عاوزني أمشي؟"
لثانية واحدة، بان على وشه الندم.. بس ندم ضعيف.
لوسيا حطت إيدها على بطنها وبصت له بحدة.
دييجو بص الناحية التانية وقال: "يا إيزابيلا، حاولي تفهمي، البيت بقى باسمي دلوقتي، ومقدرش أشيل مسؤوليتك."
أشيل مسؤوليتك؟
كنت هضحك.. أنا شلت جريمته، وعاره، وسجنه، ومستقبله.. وهو مش قادر يشيلني ليلة واحدة؟
لوسيا قربت وهي بتطبطب على بطنها كأنها بتحمي ابنها مني: "اشكري ربنا إننا فتحنا ليكي الباب أصلاً."
بصيت لها، فرفعت راسها وقالت بكل بجاحة:
"زمان كان ليكي لازمة عشان كنتي بتدخلي فلوس البيت، إنما دلوقتي إنتي مجرد فضيحة وجرسة لينا."
البيت كله سكت.
أمي باصة في الأرض، وبابا مندمج في التمثيل إنه بيتفرج على التليفزيون، ودييجو خرص.
ساعتها
مكونوش مستنيين رجوعي، كانوا بيجهزوا نفسهم عشان يمسحوا وجودي.
بصيت للـ 200 دولار، وبصيت للأوضة، وبصيت للعيلة اللي ضحيت بعمري عشانها.
ولأول مرة من يوم الحادثة، ملمتش نفسي.
لأن في حاجة هما ميعرفوهاش.
السجن مكسرنيش، السجن علمني الصبر.. وعلمني أسمع كويس.
علمني الفرق بين اللي بيحبك بجد، واللي بيستغلك لحد ما يخلص مصلحته.
والأهم من ده كله، إنه أداني سنتين عشان أفتكر كل تفصيلة في الليلة اللي دييجو ولوسيا دمروا فيها حياتي.
فاتورة البار.. تصوير كاميرات البنزينة.. والشاهد اللي شاف دييجو وهو بيبدل الكراسي معايا قبل ما البوليس يوصل.
والرسالة الصوتية اللي أمي سابتها لي وهي بتعيط وبتقولي "الحقي أخوكي وانقذيه."
شيلت كل ده معايا.
مش عشان كنت ناوية أنتقم، بس عشان كنت خايفة.. وبعدين عشان كنت وحيدة.. وبعدين لأني كنت حاسة إن اليوم ده هييجي.
لوسيا ابتسمت بانتصار وقالت: "ها؟ هتمشي ولا نطلب ليكي حد يمشيكي؟"
أخدت الـ 200 دولار من على التربيزة.
مش عشان محتاجة فلوسهم، بس عشان كنت عاوزة بصماتي تبقى على أي حاجة في البيت ده.
وبصيت لدييجو في عينه: "عندك حق.. إنت فعلاً متقدرش تشيلني."
دييجو ارتاح وافتكر إن الموضوع خلص.
مشيت ناحية الباب، وقبل ما أخرج لفيت لهم: "أتمنى فعلاً يكون البيت بقى باسمك يا دييجو."
لوسيا استغربت: "قصده إيه الكلام ده؟"
ابتسمت وقلت: "عشان غالباً على بكرة الصبح، هتحتاج تبيعه عشان تصرف على اللي جاي."
قفلت الباب ورايا وطلعت في الضلمة.
تليفوني كان في إيدي، وطلبت رقم كنت حافظاه في السجن باسم مستعار.
"المحامي موراليس."