لقاء طليقين في المستشفى حكايات صافي هاني
صدري ضاق بيا.
"إيه اللي حصل لك؟" سألتها بسرعة. "إنتي هنا ليه؟"
بصت الناحية التانية فوراً.
"مفيش حاجة،" همست بضعف. "شوية تحاليل بس."
قعدت جنبها وأخدت إيدها بالراحة.
كانت تلاجة.
"مايا.. متكذبيش عليا."
بلعت ريقي بصعوبة.
"أنا شايف إنك مش كويسة."
لثواني، منطقتش بكلمة.
وبعدين أخيراً.. بدأت تتكلم.
بدأت إيديها تترعش في إيدي، وصوتها طلع مهزوز ومكتوم: "أنا جالي سرطان يا أرشون.. عرفت بعد ما مشيت بأسبوع واحد."
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، الدنيا دارت بيا والطرقة اللي كنا قاعدين فيها كأنها صغرت وقفتلت عليا. مكنتش قادر أصدق اللي بسمعه.
"أسبوع واحد؟" سألتها وأنا صوتي بيقطع، "وليه مقولتليش؟ ليه مكلمتنيش يا مايا؟"
ابتسمت ابتسامة حزينة، ابتسامة فيها وجع يهد جبال، وقالت: "أكلمك أقولك إيه؟ إحنا كنا خلاص انتهينا.. إنت كنت عايز تمشي، وأنا مكنتش عايزة أكون حمل عليك وأنت بتحاول تبدأ حياتك من جديد. مكنتش عايزة أصعبها عليك.. ولا عليا."
بصيت على الكرسي الفاضي اللي جنبها، وعلى الوحدة اللي كانت عايشة فيها وسط كل الألم ده. "ومين بيراعي ليكي؟ مين بيجي معاكي الجلسات؟"
نزلت عينيها الأرض وقالت بصوت واطي: "محدش.. باجي لوحدي، وبرجع لوحدي. الموضوع مش صعب للدرجة دي، اتعودت.
في اللحظة دي، شريط حياتنا كله مر قدام عيني. الخناقات التافهة، هروبي من البيت، واليوم اللي طلبت فيه الطلاق وهي في قمة وجعها ومحتاجة لي. حسيت إني كنت أصغر بكتير من إني أستاهل ست زي دي.
قربت منها أكتر وشددت على إيديها: "أنا مش هسيبك تاني يا مايا. مش مهم إيه اللي بينا، ومش مهم الورقة اللي اقطعت. أنا هنا دلوقتي، ومش همشي."
بصت لي بعينيها الغرقانة دموع، ولأول مرة من شهور شوفت لمعة أمل صغيرة وسط التعب ده كله. قالت لي بهمس: "إنت مش مضطر تعمل كدة يا أرشون.. ده مش ذنبك."
رديت عليها وأنا بحاول أمسك نفسي: "ده مش ذنب.. ده مكاني الطبيعي اللي مكنش المفروض أسيبه أصلاً. سامحيني."
ومن اليوم ده، بدأت رحلة تانية خالص. مكنتش رحلة زوجين عاديين، كانت رحلة اتنين بيحاولوا يلموا اللي اتكسر منهم وهما بيحاربوا الموت. مكنتش عارف بكرة مخبي إيه، بس كنت عارف حاجة واحدة.. إن المرة دي، مش هسمح للسكوت يفرقنا تاني.
عدت الأيام، وبقيت حياتي كلها متمحورة حول المستشفى. سبت شقتي الصغيرة ورجعت قعدت معاها في بيتنا القديم، بس المرة دي مكنش فيه هروب للشغل ولا أعذار. كنت صاحي معاها في كل لحظة وجع، وفي كل مرة الكيماوي كان بياخد حتة من روحها قبل جسمها.
في ليلة، كانت قاعدة تعبانة وباصة من الشباك،
"عارف يا أرشون.. ساعات بفكر إن الوجع ده هو اللي رجعنا لبعض. لولا تعبي، كنت زمانك دلوقتي كملت حياتك ونسيتني."
مسكت إيدها وقولت لها:
"أنا مكنتش عايش يا مايا، أنا كنت بهرب. التعب ده مكنش هو السبب في رجوعنا، هو بس شال الغشاوة اللي كانت على عيني. خلاني أشوف إن كل اللي كنت بجري وراه ميسواش لحظة واحدة وإنتي بتضحكي."
بدأت رحلة العلاج تكون أصعب، وشعرها اللي كان بيقع كان بيقطع في قلبي، بس كنت بحاول أبان قوي قدامها. بقيت أنا اللي بطبخ، وأنا اللي بفكّرها بمعاد الدوا، وأنا اللي بقرأ لها كتبها المفضلة لحد ما تنام.
بعد شهور من التعب، والانتظار القاتل قدام غرف العمليات، وجه اليوم اللي الدكتور خرج فيه وهو مبتسم.. ابتسامة مكنتش شوفتها من سنين.
"المؤشرات ممتازة.. مايا استجابت للعلاج بشكل معجز، وبدأت تدخل في مرحلة التعافي."
مقدرتش أمسك نفسي، نزلت على ركبي في نص الطرقة وعيطت.. عيطت على كل السنين اللي ضيعناها، وعلى الوجع اللي فات، وعلى الفرصة التانية اللي ربنا ادهالنا.
لما دخلت لها الأوضة، كانت لسه فايقة من البنج، بصت لي وقالت بضعف:
"هناكل إيه النهاردة؟"
ضحكت والدموع في عيني وقولت لها:
"اللي إنتي عايزاه.. ومن النهاردة، مفيش أسئلة تانية عن الأكل
مايا خفت، ورجع الدفا لبيتنا. مكنش بيت مثالي، ولسه بنعدي بأيام صعبة، بس اتعلمنا إن الحب مش بس في الأيام الحلوة، الحب الحقيقي هو اللي بيفضل واقف لما كل حاجة تانية بتنهار.
بعد سنتين من اليوم ده، كنا قاعدين في جنينة بيتنا الجديد. مايا شعرها رجع طول وبقى أحلى من الأول، والضحكة اللي كانت غايبة رجعت نورت وشها تاني.
بصت لي وهي ماسكة كوباية الشاي وقالت:
"فاكر يا أرشون لما شوفتني في طرقة المستشفى؟"
هزيت راسي وقولت لها:
"عمري ما هنسى.. اللحظة دي كانت أصعب وأجمل لحظة في حياتي. كانت النهاية لبداية جديدة."
مايا قامت من مكانها ودخلت البيت، ورجعت وهي شايلة "أمل".. بنتنا اللي كملت أحلامنا اللي افتكرنا في يوم إنها ماتت. شيلتها منها وبست راسها، وحسيت إن كل لحظة وجع عشناها كانت تمن بسيط قوي قصاد اللحظة دي.
اتعلمت إن البيوت مش حيطان، والسكينة مش في الهدوء اللي بره، السكينة هي إنك تلاقي حد يمسك إيدك وأنت في عز ضعفك ويقولك "أنا هنا".
الطلاق مكنش النهاية، كان الدرس اللي كان لازم نتعلمه عشان نعرف قيمة بعض. ودلوقتي، وأنا باصص لمايا ولأمل، عرفت إن مفيش حاجة في الدنيا تستاهل إنك تضيع ثانية
تمت.