خيانة الابنه حكايات صافي هاني
بتعيط في العربية.
الذل الحقيقي هو إنك تشوفي أمك بتموت من الجوع وتصرفي فلوس أكلها على منظرة كدابة، رديت عليها بجمود.
رحنا السوبر ماركت. خليتها هي اللي تشيل العربية، وهي اللي تنقي الخضار واللحمة والفاكهة، وهي اللي تحاسب بالفلوس اللي لسه مرجعينها. دي فلوس البيت، وإنتِ المسؤولة عن الميزانية دي لمدة شهر. لو خلصت قبل ميعادها، هتكملي الشهر بمية وعيش، إنتِ وأنا وليلى.
لما رجعنا، لقيت شريف واقف قدام الباب بشنطة هدومه، بيحاول يكلمها.
بصيت له وقلت إنت لسه هنا؟
منة بصت له بلهفة شريف، ساعدني، بابا أخد كل حاجة.
شريف بص للشنط اللي معاها، ولما لقى إن مفيش ماركات ولا فلوس، ملامحه اتغيرت. بقولك إيه يا منة، أنا مش ناقص مشاكل مع أهلك، وأنا أصلاً عندي تصوير ومحتاج أركز.. نبقى نتكلم بعدين. سابها ومشي من غير ما يبص وراه.
منة وقفت مصدومة، كانت فاكرة إن حبهم أقوى من كدة.
ده أول درس يا منة، قلتلها وأنا بفتح باب البيت. الناس اللي بتلمهم المظاهر، بيفضوا أول ما المظاهر تختفي.
دخلنا المطبخ، وخليتها تطبخ لأمها بنفسها. كانت واقفة تعبانة وبتعيط، بس ليلى كانت قاعدة بتراقبها بهدوء، ولأول مرة من فترة طويلة، شفت لمعة حياة في عيون مراتي.
بعد
ده إيه؟ سألت بكسرة.
دي لستة بالديون اللي عليكي للبيت. الفلوس اللي سحبتيها من حساب الطوارئ لازم ترجع. ومن بكرة، هتبدأي تدوري على شغل حقيقي، مش ستارت أب وهمي. وأي قرش هتجيبيه، نصه هيروح لسداد الدين، والنص التاني لمصاريفك الشخصية.
بصت لي بذهول بس أنا مبعرفش أعمل حاجة!
هتتعلمي. الجمال اللي كنتِ فاكراه استراتيجية بيزنس، مش هيأكلك عيش لما تقعي. بكرة الساعة 8 الصبح هتبدأي أول مقابلة شغل رتبتها لك في شركة صديق ليا.. سكرتيرة.
سكرتيرة؟! أنا؟
أيوة، عشان تتعلمي يعني إيه قيمة القرش، ويعني إيه كلمة شكراً وحاضر اللي نسيتيهم.
سبتها وطلعت، وأنا عارف إن الطريق لسه طويل، بس الخبطة اللي أخدتها النهاردة كانت كفيلة تفوقها من الوهم اللي كانت عايشة فيه.
البيت رجع هادي، بس المرة دي هدوء حقيقي، مش هدوء الخوف.
مر أسبوع. منة كانت بتنزل كل يوم الساعة 8 الصبح، وترجع 5 كأنها راجعة من حرب. وشها اللي كان دايماً متزوق ومنور، بقى باهت وعليه علامات التعب.
في يوم، رجعت لقيتها قاعدة على السفرة وحاطة راسها بين إيديها. ليلى كانت قاعدة جنبها بتطبطب عليها.
مش قادرة يا بابا.. المدير بيخليني أصور ورق وأعمل قهوة وأرد
قعدت قدامها بهدوء ده مش تعب يا منة، ده الواقع. الناس اللي كنتِ بتباهي قدامهم على السوشيال ميديا مكنوش شايفين البنت اللي بتعمل قهوة، كانوا شايفين الفلوس اللي كنت بصرفها عليكي. دلوقتي إنتِ بتشوفي نفسك الحقيقية.
فتحت شنطتها وطلعت ظرف صغير وحطته قدامي. ده أول أسبوع ليا.. قبضت أوفر تايم عشان سهرت خلصت ملفات.
فتحت الظرف، كان فيه مبلغ بسيط جداً مقارنة باللي كانت بتصرفه في ساعة واحدة زمان. منة بصت للفلوس ودموعها نزلت المبلغ ده ميكملش تمن غدوة كنا بناكلها أنا وشريف.. أنا مكنتش حاسة بالنعمة خالص.
المهم إنك حسيتي دلوقتي، قلتلها وأنا برجع لها نص الفلوس. ده حقك، والنص التاني هيدخل في جمعية سداد ديون البيت.
فجأة، تليفونها رن. كان شريف.
منة بصت للموبايل بتردد، وبعدين فتحت السبيكر.
منة، وحشتيني يا بيبي.. بصي، أنا هطلع لايف بكره في مكان جامد وعاوزك تيجي معايا، شكلك بيبقى حلو في الكادر وبيجيب ريتش. هعدي عليكي بالعربية؟
منة بصت لي، وبعدين بصت لمامتها اللي كانت لسه وشها شاحب بس بدأت ترد فيها الروح.
ردت عليه بصوت ثابت العربية اللي إنت راكبها دي يا شريف، بابايا هو اللي
شريف سكت ثانية، وبعدين قال بسخرية شغل؟ إنتِ شكلك اتجننتي يا منة.. خليكي في الفقر اللي إنتِ فيه. وقفل السكة.
منة رمت الموبايل على الكنبة وكأنها رمت حمل من فوق كتافها. كان عندك حق يا بابا.. أنا كنت عايشة في كدبة كبيرة.
قمت وقربت منها، ولأول مرة من سنين، أخدتها في حضني. دلوقتي بس يا منة، أقدر أقول إن بنتي رجعت لي. البيت ده عمره ما كان حيطان وفلوس، البيت ده سند. وإحنا بنسند بعض، مش بناكل في بعض.
ليلى قامت ببطء وجت حضنتنا إحنا الاتنين. المطبخ اللي كان فاضي من أسبوع، دلوقتي ريحته كانت مليانة أكل دافي، والقلوب اللي كانت قاسية، لانت بوجع التجربة.
بصيت لمنة وقلت لها على فكرة، المدير بتاعك كلمني وقال إنك مجتهدة جداً.. لو استمريتي كدة شهرين، هفكر أرجع لك الكارت بتاعك، بس بليميت Limit إنتِ اللي هتحدديه من تعبك.
ابتسمت وسط دموعها لأ يا بابا، خليه معاك.. أنا عاوزة أحس إن كل لقمة باكلها، أنا اللي تعبت فيها.
دي كانت النهاية