رمو ابنها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في أوضة العمليات، وابني كان لوحده وهو مرمي على كنبة المستشفى.. ومن النهاردة، الوحدة دي هي الأمان بالنسبة لي.
قفلت الشباك وشددت الستائر. رحت قعدت جنب إيلي على الكنبة، وبصيت لوشه الهادي وهو نايم. مسكت موبايلي وعملت بلوك لكل أرقامهم، واحد ورا التاني.
لأول مرة في حياتي، محستش بالذنب. محستش إني محتاجة أبرر موقفي لحد. البيت بقى هادي، هدوء حقيقي مش الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
الجرح كان لسه بيوجعني، بس الوجع اللي في قلبي كان خلاص اختفى. رميت المفتاح القديم في الزبالة، وغمضت عيني وأنا عارفة إن بكرة الصبح، الشمس هتطلع على حياة جديدة.. حياة مفهاش مكان لأي حد يكسرنا تاني.
بعد ساعة، البيت فجأة بقى هدوء، هدوء مخيف لدرجة إني شكيت إنهم مشيوا بجد. بس فجأة سمعت صوت موبايلي بيرن.. مكنش حد منهم، ده كان المحامي بتاعي.
راشيل، أنتي عملتي اللي قلت لك عليه؟
قلت له بصوت ثابت غيرت الكوالين، وطردتهم، وقفلت السكة في وشهم.
المحامي سكت لحظة وقال تمام، بس خلي بالك، مليسا مش هتسكت. هي لسه فاكرة إن معاها توكيل منك كنتِ مضيتيه من سنين وقت ما كنتِ مسافرة.

ضحكت بمرارة وقلت له التوكيل ده أنا لغيته من أسبوع، قبل ما أدخل العمليات بيوم واحد. أنا كنت عارفة إن اللحظة دي جاية، كنت بس مستنية أشوف هيوصلوا لحد فين.. ووصولي لقمة الندالة بترك ابني لوحده كان الإشارة اللي مستنياها.
بصيت من عين الباب، لقيتهم لسه واقفين في الشارع بيتخانقوا مع بعض. أمي بتزعق لأبويا، ومليسا ماسكة موبايلها وبتحاول تطلب حد.. غالباً كانت بتحاول تطلب البوليس أو بتشوف حد يفتح لها الباب.
فجأة، شفت عربية بوكس وقفت قدام البيت. قلبي دق، بس مش خوف.. دي كانت لحظة الحسم. نزلت أمي تجري عليهم وهي بتعيط وتصوت الحقوني، بنتي طردتني من بيتي وسرقت ورقي!
فتحت الباب بكل هدوء، والضابط قرب مني. بص لي وبص لشكلهم المبهدل في الشارع. طلعت له ملف الورق الجاهز، عقد البيت، وإلغاء التوكيل، وصورة من كاميرا المستشفى ل إيلي وهو نايم لوحده على الكنبة.
قلت للضابط يا فندم، الناس دي بتهجم على ملكية خاصة، وأنا لسه خارجة من عملية جراحية، ومعايا طفل قاصر هما عرضوا حياته للخطر وسابوه لوحده في المستشفى.
الضابط بص في الورق، وبص لأمي اللي كانت
لسه بتعيط بتمثيل، وقال لها بحدة يا ست أنتي، الورق سليم والبيت بيتها. اتفضلوا امشوا من هنا بدل ما أعمل لكم محضر عدم تعرض وتحرش بملكية غير.
منظرهم وهما ماشيين والضابط واقف بيراقبهم كان كفيل يشفي كل غرزة في جسمي. دخلت وقفلت الباب، وبصيت ل إيلي اللي بدأ يفتح عينه ويبتسم لي.
في اللحظة دي عرفت إن المفتاح الجديد مش بس قفل الباب، ده فتح لي باب حياة تانية مفيش فيها مكان ل سموم العيلة. ونمت لأول مرة من سنين.. نومة عميقة مفيهاش كوابيس
عدى أسبوعين على اليوم ده. أسبوعين من السكون اللي مكنتش أحلم بيه. جرحي بدأ يلم، وقدرت أخيراً أشيل إيلي وأحضنه من غير ما أتوجع.
في يوم، جالي إشعار على الموبايل من البنك. حاولة سحب فاشلة بمبلغ كبير من حسابي القديم اللي كنت سايبة فيه ملاليم ومخلية مليسا فاكرة إنه لسه شغال. عرفت إنهم لسه بيحاولوا، لسه فاكرين إن الحنفية هتفضل تنزل فلوس.
فتحت اللابتوب وبعت إيميل واحد لكل العيلة، ملخص الحساب
دي قايمة بكل الفلوس اللي اتسحبت مني السنين اللي فاتت، ودي صور الشيكات اللي سددتها عن مليسا، ودي مصاريف علاج بابا
اللي أنا دفعتها بالكامل في الوقت اللي كنتوا بتقولوا فيه إنكم معيش مليم. كل ده متسجل. لو محاولات الدخول لحساباتي أو التعرض ليا ولابني اتكررت، الملف ده كله هيروح للنيابة بتهمة النصب والاستيلاء على أموال.
معداش ساعة ولقيت رسالة من أخويا الصغير، الوحيد اللي كان بعيد عن اللعبة دي راشيل، هما حالهم يصعب على الكافر. مليسا جوزها طردها لما عرف الديون، وماما وبابا قاعدين عند خالتك وبيحملوا عليكي الذنب كله.
رديت عليه بكلمتين بس الذنب مش حمل، الذنب اختيار. هما اختاروا يبيعوني، وأنا اخترت اشتري نفسي.
قمت عملت لنفسي كوباية شاي وقعدت في البلكونة. شفت إيلي بيلعب في الجنينة وهو لابس جزمته الجديدة، الفردتين كاملين المرة دي. مكنش فيه خيالات لناس بتراقبني، ولا خوف من مفتاح يلف في الباب فجأة.
لأول مرة، البيت مكنش مجرد حيطان وسقف.. البيت بقى حصن. والسر مكنش في الكوالين اللي اتغيرت، السر كان في لا اللي اتنطقت بجد.
بصيت للمفتاح الجديد اللي في إيدي، كان بيلمع تحت الشمس. ضحكت ورميت نظرة أخيرة على الشارع الفاضي.. القصة مخلصتش بوجع، القصة بدأت
بجد لما الوجع قرر يمشي..

تم نسخ الرابط