ام تكتشف اهمال مدرىستها حكايات صافي هاني
عمري ما قلت لبنتي اللي عندها ٨ سنين إني كنت شغالة "قاضية"، ولا حتى مدرستها تعرف. بالنسبة لهم، أنا مجرد أم وحيدة مثقفة، ست غلبانة وسهل أي حد يستقوى عليها. في يوم رحت المدرسة بدري عشان أخدها، واكتشفت إن مدرسة عاملتها بطريقة وحشة جدًا وحبستها في أوضة الكراكيب والمؤن.. ولما واجهتها وفرجتها الفيديو اللي سجلته، لوفت بوزها باحتقار وقالتلي: "بنتك استيعابها بطيء.. ودي طريقتي في التعامل مع اللي زيها".
أول حاجة سمعتها "جنة" وهي جوه المخزن الضلمة كان صوت تكة القفل وهو بيتقفل عليها.
تاني حاجة سمعتها كان صوت مدرستها واطي وحاد من ورا الباب الخشب:
"عيطي براحتك يا جنة.. مفيش مخلوق هيجيلك غير لما تتعلمي إزاي العيال الطبيعية بتتصرف".
جنة كان عندها ٨ سنين، جسمها كان قليل بالنسبة لسنها، شعرها بني وكيرلي، ونضارتها دايمًا واقعة على طرف مناخيرها.. عقلها كان يقدر يشرحلك أقمار كوكب المشترى، بس كان بيقف وتتعب لما أي حد كبير يزعق فيها. قعدت على البلاط الساقع بين جردل المسح وشوية مناديل ورق، وهي حاطة إيدها على خدها اللي كان بيحرقها من الوجع.
بره المخزن، كانت سامعة ضحك العيال في الطرقة.. الصوت ده خلاها تحس إن الضلمة أوحش، لأن معناه إن الدنيا ماشية عادي من غيرها.
همست جنة وهي بتعيط: "والله ما كان قصدي أدلق الدهان".
الباب اتفتح حتة صغيرة دخلت خيط نور على جزمتها.
كانت واقفة "مس ليلى"
قالت مس ليلى: "إنتي دايمًا عندك عذر.. إنتي بطيئة يا جنة، بطيئة في السمع، وبطيئة في تنفيذ الأوامر، وبطيئة في فهم اللي زمايلك بيفهموه من أول مرة".
شفايف جنة بدأت تترعش:
"ماما بتقول إني مش بطيئة".
ضحكت مس ليلى ضحكة صفراء:
"ماما بتقول كده عشان حاسة بالذنب.. هي بتشتغل كتير ومش عارفة تبقى زوجة ولا عارفة تربيكي صح".
جنة بصت لها لفوق وقالت:
"بابا مات".
ردت مس ليلى وهي بتميل عليها: "لأ.. باباكي ساب الدنيا عشان تعب من كتر الحزن.. الناس بتمشي لما العيال بيبقوا صعبين في حبهم".
الجملة نزلت على جنة زي التلج.
مفهمتش كل الكلام، بس فهمت اللي يكفيها.. باباها مات وهي عندها ٤ سنين، ومامتها كانت دايمًا تقولها إنه كان بيحبهم أكتر من أي حاجة في الدنيا، وإن الوجع مش معناه إن حد سابنا، وإن تعب الكبار ملوش ذنب فيه الصغيرين.
بس مس ليلى "مدرسة".. والمدرسين المفروض عارفين كل حاجة، وبيكتبوا الحقيقة على السبورة.
جنة كتمت نفسها وضمّت شفايفها عشان مش عاوزة تطلع أي صوت تاني.
وراء مس ليلى، كان فيه خيال بيتحرك في آخر الطرقة.
المدرسة ماخدتش بالها.
عند ركن الكؤوس، كانت واقفة "إيفلين" وماسكة موبايلها
بقالهم سنتين في مدرسة "الرواد" ميعرفوش عن إيفلين غير إنها "أم جنة".. الست الهادية اللي عيونها مجهدة، ولابسة هدوم بسيطة، وراكبة عربية قديمة وسط العربيات الفاخرة اللي واقفة قدام المدرسة.. كانت بتيجي اجتماعات أولياء الأمور لوحدها، وتعمل لانش بوكس لبنتها في علب عادية، وعمرها ما جابت سيرة شغلها غير إنها شغالة "في وسط البلد".
ده كل اللي المدرسة كانت محتاجة تعرفه.. أو ده اللي إيفلين خلتهم يصدقوه.
إيفلين قضت ١٥ سنة بتبني اسمها في المحاكم، بدأت وكيل نيابة وبعدين بقت قاضية.. في الوسط القانوني، القاضية إيفلين مكنتش مجرد مشهورة، دي كانت بتعمل حسابها من الكل.. أكبر المحامين كانوا بيغيروا طريقتهم لما يعرفوا إنها هي اللي على المنصة، والسياسيين كانوا بيسكتوا أول ما اسمها يظهر في قضية.. الرجالة اللي فاكرين إن البدل الغالية بتهز حد، عرفوا إن صمتها وهدوءها مش خوف، ده هيبة.
بس جنة مكنتش محتاجة أم مشهورة، كانت محتاجة طفولة طبيعية.
عشان كده إيفلين خبت كل ده.. كانت بتروح المدرسة بصفتها "مدام إيفلين" مش "سيادة القاضية".. تبتسم للأمهات اللي بيسألوا ساكنة فين، ووشهم يتقلب لما تقولهم في منطقة عادية مش في كومباوند غالي.
كانت بتقول لنفسها إن بنتها تستحق تعيش زي أي طفل.
بس وهي واقفة دلوقتي بره المخزن وبنتها محبوسة جنب ازايز الكلور، عرفت إنها كانت
لما الناس القاسية تفتكر إنك مكسور ومالكش ضهر، بيوروك وشهم الحقيقي.
من ٣ شهور، جنة بطلت تغني في العربية.
إيفلين قالت لنفسها دي "مرحلة".. العيال بتتغير.. أسبوع تحب الديناصورات، وأسبوع تطلب كتب عن الفضاء.. بس بعدها جنة بطلت تاكل، وبدأت تسأل لو ينفع متتروحش المدرسة، وبدأت تآكل في أكمام هدومها من التوتر.
وفي ليلة، إيفلين صحيت على صوت عياط مكتوم.
لقت جنة قاعدة في سريرها، عيونها مفتوحة بس مش مركزة.
صرخت جنة وهي بتخريف: "متقفليش الباب.. والنبي هبقى شاطرة".
إيفلين خدتها في حضنها:
"يا حبيبتي بصيلي.. إنتي في البيت.. مفيش باب هيتقفل عليكي".
جنة كانت ماسكة فيها بقوة لدرجة إن إيفلين كانت حاسة بضربات قلب بنتها من تحت البيجامة.
تاني يوم الصبح، إيفلين كلمت المدرسة.
المدير "رفعت" وافق يقابلها يوم الخميس الساعة ٣ ونص، رغم إن السكرتيرة قالتلها إنه "مشغول جدًا".. إيفلين وصلت قبل الميعاد بـ ١٠ دقايق، وقعدت تستنى تحت صور المتفوقين ولوحة مكتوب عليها "الأخلاق قبل العلم".
لما المدير استقبلها أخيرًا، حتى مقامش من على مكتبه الفخم.
بص في ساعته وقال ببرود: "أهلاً يا مدام.. خير، نقدر نساعدك في إيه النهاردة؟"
إيفلين سكتت للحظة، بصت للوحة "الأخلاق قبل العلم" اللي وراه بابتسامة باهتة، وبعدين بصت في عينيه مباشرة وقالت بصوت هادي لدرجة تخوف: "بنتي محبوسة في المخزن يا أستاذ رفعت.