الابنه الجميله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

طول عمري ماليش في الدنيا غير أبويا.. أنا وهو وبس.
أمي اتوفت يوم ما اتولدت، وعشان كده أبويا، جمال، كان هو دنيتي كلها.. كان الأب والضهر والمدرس والصاحب الجدع. كان بيصحى قبل الشمس عشان يحضر لي اللانش بوكس، ويعمل لي فطار معتبر كل يوم جمعة من غير ما يكسل، وحتى ضفرة الشعر اتعلمها من الفيديوهات على النت بالليل عشان يعملها لي وهو مفيش في إيده حيلة.
بس في المدرسة، الناس كانت عارفاه بحاجة تانية خالص.
كان عم جمال عامل النظافة بتاع المدرسة.
وبسبب ده، كبرت وأنا سامعة الهمز واللمز في كل حتة أمشي فيها
بصي بنت الفراش.. أبويا بيسلك الحمامات ويمسح الأرض.
عمري ما عيطت قدامهم، كنت بكتم دموعي دي لحد ما أروح البيت.
وأبويا كان دايما بيحس بيا من غير ما أتكلم. كان يحط قدامي الأكل ويقول لي براحة
عارفة يا بنتي أنا بشوف إزاي الناس اللي بتحاول تعمل لنفسها قيمة بإنها تصغر غيرها؟
كنت بسأله بصوت واطي وأنا بحبس دموعي إزاي يا بابا؟
يقول لي ملهمش لازمة يا حبيبتي.. ناس ملهمش أي لازمة.
وبالطريقة دي، كان كلامه بيرد فيا الروح ويخليني أتنفس من تاني.
كان دايما يقول إن الشغل الشريف فيه كرامة، وأنا صدقته. وعلى ما وصلت لتانية ثانوي، أخدت عهد بيني وبين نفسي في يوم من الأيام هخليه فخور بيا لدرجة تنسينا كل كلمة تجرح قالوها في حقنا.
بس الدنيا ملهاش أمان.
السنة اللي فاتت، أبويا

جاله المرض الوحش.
فضل يعافر ويشتغل لفترة أطول بكتير من طاقته. ساعات كنت ألمحه وهو مأنتخ وساند ضهره على دولاب المنظفات، هلكان على الآخر. بس أول ما يحس بيا، يتعدل في وقفته ويضحك وشه.
أنا فل يا بنتي، متشيليش همي واهتمي بمذاكرتك.
بس إحنا الاتنين كنا عارفين إنه بيكابر.
بالليل، وإحنا قاعدين مع بعض على ترابيزة المطبخ، كان يفضل يعيد ويزيد في حاجة واحدة
نفسي بس أعيش لحد ما أشوفك في حفلة تخرجك وأنتِ مخلصة ثانوية عامة.. نفسي أشوفك لابطة ومتشيكة وكأنك ملكتي الدنيا بحالها.
كنت بوعده دايما هتعيش وتشوفني يا حبيبي.
بس ملحقش.
قبل الحفلة بكام شهر، مات وسابني.
عرفت الخبر وأنا واقفة في طرقة المدرسة، باصة لنفس الأرضية اللي كان بيمسحها ويشقى عليها كل يوم. ومن بعد اللحظة دي، حياتي كلها بقت ضباب ومش شايفة قدامي.
بعدها بأسبوع، نقلت لعند عمتي ماجدة. بيتها كان دايما ريحته بخور ومنظفات.. مكنش فيه ريحة بيتنا القديم خالص.
وجت أيام التحضير لحفلة التخرج.
البنات حواليا مكنش وراهم سيرة غير الفساتين.. ده براند كذا، وده فستان بآلافات، لبس تمنه أكتر من اللي كان أبويا بيكسبه في شهور.
كنت حاسة إني في وادي وهم في وادي تاني خالص.
الحفلة دي كان المفروض تكون ليلتنا إحنا الاتنين.. كان المفروض يقعد يصورني ميت صورة وأنا أعمل نفسي متضايقة وأقوله خلاص يا بابا.
من غيره.. الحفلة
ملهاش أي طعم.
في ليلة من الليالي، قعدت على الأرض جنب كرتونة حاجته اللي جابوها من المستشفى ساعته، محفظته.. وتحت كل ده، لقيت قمصان الشغل بتاعته متطبقة بنظام.
القميص الكحلي، والرمادي، وقميص زيتي باهت حافظاه صم.
كنا دايما بنهزر معاه إن دولابه مفيش فيه غيرهم.
كان دايما يرد ويقول الراجل اللي عارف قيمته مش محتاج بهرجة زيادة.
مسكت قميص منهم وفضلت حاطاه بين إيديا وقت طويل.
وفجأة، الفكرة طقت في دماغي.
لو مش هيعرف يقف جنبي في الحفلة بجسمه..
أنا هخليه معايا بروحته وحاجته.
قلت لعمتي وأنا مكسوفة بس أنا مبعرفش حتى ألضم إبرة.
ابتسمت بطيبة وقالت لي ولا يهمك، أنا هعلمك.
وفي الويك إند ده، فردنا القمصان كلها على ترابيزة المطبخ.
الموضوع مكنش سهل واصل.
قصيت غلط، وفكيت الخياطة، وباظت مني حتت ورجعت بدأتها من الأول وجديد كذا مرة. وعمتي كانت صابرة عليا وعلى كل غلطة، وبتمشي معايا خطوة بخطوة.
في ليالي، كنت بخيط وأنا دموعي نازلة مغرقة القماش.
وفي ليالي تانية، كنت بتكلم معاه بصوت عالي وكأنه قاعد معايا على الكرسي اللي جنبي.
كل حتة قماش كانت شايلة حكاية.
القميص ده اللي كان لابساه أول يوم ليا في المدرسة.
وده اللي جري بيه ورا العجلة بتاعتي وسندني لحد ما ركبه وجعته.
وده اللي كان لابسه لما خدني في حضنه بعد ما رجعت مخنوقة في أولى ثانوي.. من غير ما يسألني حتى مالك.

على ما الفستان خلص، مكنتش حاسة إنه قماش.. كنت حاسة إني حضناه هو.
ليلتها جربت الفستان لأول مرة.
مكنش فستان سواريه من اللي بيلمعوا ولا بتاع مصمم مشهور.
بس كان مظبوط عليا بالمللي.
ولأول مرة من يوم ما فارقني.. محسيتش إني لوحدي.
عمتي كانت واقفة عند الباب وعينيها بتغرورق بالدموع، همست لي كان هيفرح بيه أوي يا بنتي.. كان هيتفاخر بيكي قدام الدنيا.
ولأول مرة من شهور، صدقت كلامها من كل قلبي.
وأخيراً، جيه يوم الحفلة.
القاعة كانت مقلوبة أغاني وأنوار وهيصة.
أول ما دخلت من الباب، الهمس واللمز بدأ في ثانية.
هو الفستان ده معمول من لبس عم جمال الفراش؟
شكلها مكنش معاها فلوس تجيب فستان حقيقي ففصلت ده.
الضحك والتريقة ملو المكان في لحظة.
نفس القساوة والغل بتاع زمان.
وشي سخن وبقى بكي من الكسوف...
وفجأة، وسط كل الضحك والتريقة دي، الأغاني وقفت تماماً.. الصوت انقطع في القاعة كلها، وظهر صوت خروشة جامدة في الميكروفون.
كل الناس لفتت وشها للمسرح.
كان المدير واقف وماسك المايك في إيده، وشه كان جاد جداً وعينيه باصة عليا. القاعة كلها سكتت، ومفيش غير صوت همس خفيف بيموت بالتدريج لحد ما بقى مفيش حتى صوت النفس.
المدير قرب المايك من بقه وقال بصوت قوي هز القاعة
يا ريت كلنا نقف دقيقة حداد، ونقرأ الفاتحة على روح راجل من أجدع وأنظف الناس اللي دخلت المكان ده.. عم جمال.
أول
ما قال الاسم، الكل تنح. البنات اللي كانوا بيضحكوا من ثانية واحدة،
تم نسخ الرابط