الابنه الجميله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الضحكة اتجمدت على وشوشهم.
المدير كمل كلامه وهو باصصلي ودموعه قريبة
الفستان اللي إنتوا بتتريقوا عليه ده، معمول من قمصان الشغل بتاعة راجل شريف.. راجل قضى عمره كله هنا بيشقى وبيتعب عشان يحافظ على المكان ده وعشان يربي بنته أحسن تربية. عم جمال مكنش مجرد عامل نظافة، ده كان ضهر وسند للمدرسة دي كلها، وعمره ما اتأخر عن مساعدة أي حد فيكم.
نزل من على المسرح وبدأ يتمشى في وسط القاعة وهو بيبص في عيون الطلبة اللي نكسوا رؤوسهم في الأرض من الكسوف.
لما بنته تقرر تكرمه وتعمل فستان تخرجها من هدوم شغل أبوها الراحل عشان تحس إنه معاها وفخورة بيه وبشغله.. يبقى ده مش مكان للتريقة. ده مكان للاحترام والانحناء كمان. الفستان ده أنظف وأغلى من أي براند في القاعة دي، لأنه متفصل بالحب والوفاء والكرامة.
المدير وصل عندي، وقف قدامي وبصلي بابتسامة فخر وقال في المايك
ارفعي راسك يا بنتي.. أبوكي الله يرحمه ساب لنا بطلة، وإحنا كلنا هنا فخورين بيكي.
في اللحظة دي، القاعة كلها اتقلبت.. واحد من المدرسين بدأ يسقف، وورا السقفة دي انفجرت القاعة كلها بصوت تسقيف حاد وصياح تشجيع. البنات اللي كانوا بيتكبروا عليا جم وعيونهم مليانة دموع واعتذروا
لي، وأصحابي جم حضنوني.
أنا وسط كل الهيصة دي، غمضت عيني وخدت نفس طويل.. وشميت ريحة القميص. في اللحظة دي بس، عرفت إن أبويا وفي بوعده.. وإنه كان واقف جنبي وسامع كل حاجة.
فتحت عيني وبصيت حواليا.. الكل واقف بيسقف، والمكان اللي كان من دقيقة واحدة مليان تريقة وغل، بقى مليان نظرات احترام وإعجاب.
البنات اللي كانوا لسه بيهمسوا ويتكلموا على فستاني، وشوشهم بقت حمرا من الكسوف، وبقوا يبصوا في الأرض مش عارفين يودوا وشهم فين من المدير ومن زمايلهم.
عمتي ماجدة كانت واقفة ورا عند الباب، شفتها وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها وبتشاور لي بإيدها، وعلى وشها ضحكة منورة الدنيا كلها.. ضحكة نصر وفخر.
المدير طبطب على كتفي بحنية أب وقال لي بصوت واطي بره المايك أبوكي كان راجل جدع يا بنتي، وعمره ما جاب سيرة غيرك بكل فخر.. النهاردة إنتِ اللي رفعتي راسه وراسنا كلنا.
بدأت المزيكا تشتغل تاني، بس المرة دي كانت مزيكا هادية ولمسة قلوب الكل. البنات والشباب صحابي في الدفعة جم حواليا، وبدأوا يتصوروا معايا ومع الفستان. الكل كان مبهور بالتفاصيل.. بالخياطة اللي عملتها بإيديا، بالحب اللي طالع من كل غرزة.
لأول مرة من يوم ما أبويا فارق الدنيا،
محسيتش بالكسر ولا باليتم. حسيت إني محوطة بأمان كبير، وكأن قمصانه دي كانت درع حاميني من كل الدنيا.
لما رجعت البيت بالليل مع عمتي، قلعت الفستان وعلّقته في الدولاب بالراحة وبكل احترام.. كأنه حتة من الجنة.
بصيت لنفسي في المراية، وابتسمت من كل قلبي، وقلت بصوت واطي عملناها يا بابا.. كل الناس عرفت إنت مين، وعرفت إني بنت راجل شريف.. ناس ملهمش لازمة يا حبيبي، وإحنا اللي كسبنا في الآخر.
من يوم الليلة دي، وحياتي اتبدلت تماماً.
الحكاية مأقفتش جوه جدران قاعة الحفلة؛ واحد من زمايلي كان بيصور كلام المدير فيديو، ونشره على الفيس بوك والتيك توك. وفي أقل من 24 ساعة، الفيديو بقى تريند ومصر كلها كانت بتتكلم عن بنت عامل النظافة وفستانها.
التعليقات كانت تفتح النفس.. كلام من ناس مانعرفهاش بيدعوا لأبويا بالرحمة، وبيقولوا لي أبوكي عرف يربي، وإنتِ بطلة. حتى القنوات والبرامج التلفزيونية بدأت تتصل بيا وعايزين يستضيفوني عشان أحكي قصتي.
بس الأهم من كل الهيصة دي، كان الإحساس اللي جوايا.
الكسرة والهمس اللي عشت عمري كله خايفة منهم اتخرسوا للأبد. المدرسين في المدرسة بقوا يتعاملوا معايا بتقدير مش طبيعي، وزمايلي اللي كانوا بيتجنبوني
بقوا يتمنوا بس يكلموني. مفيش حد بقى يجرؤ يبص لي نظرة صغار تاني.
مرت الأيام، وجت امتحانات الثانوية العامة. كنت بذاكر ليل نهار، وفي كل مرة يكبس عليا النوم أو أحس بالإحباط، كنت بقوم أفتح الدولاب وبص على الفستان.. ألمس القماش الزيتي أو الرمادي، وأفتكر جملته نفسي أشوفك لابطة ومتشيكة ومملكة الدنيا. كنت بحس بإن طاقته لسه في المكان، وبتدفعني لقدام.
ويوم النتيجة.. البيت اتقلب زغاريط.
جبت مجموع عالي يدخلني الكلية اللي كان دايما يحلم بيها.. كلية هندسة. عمتي ماجدة لمت الجيران والمنطقة كلها وجابوا شربات، والكل كان فرحان لي من قلبه.
في وسط الزيطة والمباركات، سبتهم ودخلت أوضتي لوحدي. فتحت الدولاب وطلعت قميصه الكحلي، حضنته جامد ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وراحة.
قلت له أهو يا بابا.. بقيت مهندسة قد الدنيا، والكل بيحلف بأدبي وشطارتي. وعدتك إني هخليك فخور بيا وتنسى كل كلمة تجرح، وأنا وفيت بوعدي.
النهاردة، وبعد مرور سنين، أنا اتخرجت واشتغلت وبقى عندي حياتي.. بس الفستان ده لسه متعلق في أول الدولاب، وعمري ما هفرط فيه. لأنه مش مجرد فستان.. ده حكاية راجل شريف عاش ومات وهو بيبني فيا، وساب لي اسم أعيش بيه
رافعة راسي العمر كله.

تم نسخ الرابط