بيت الام المفقود حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

طردوها وهي عندها 18 سنة، فاشترت 80 فدان بـ 7 دولار.. واللي حصل في المكان ده غيّر كل شيء!
​بعمر الثامنة عشر، وقفت رِن هولوواي في غرفة المقاطعة الترابية في مونتانا، وفي جيبها 12 دولار بس، ومفاتيح مصدية في كفها.. أول خيط حقيقي لعيلتها اللي مفيش حد رضي يديهولها زمان.
​الكل في الأوضة كانوا شايفين 80 فدان من العشب الميت، وبيت مزرعة مكسور، وإعلان بيع مفيش مخلوق راضي يلمسه.. بس رِن شافت حاجة تانية خالص.. شافت نفس المكان اللي في صورة البولارويد الباهتة اللي كانت في صندوق والدتها.. الصورة اللي مكتوب على ظهرها بخط قديم: "بيت ماما".
​قبل ما الشمس تغيب، كانت بتزق باب خشبي معوّج، وبتمشي فوق أرضية متهالكة، عشان تلاقي دليل إن في حد كان مستنيها من زمان.. من قبل ما هي نفسها تعرف بيتها فين!
​"أنا رِن هولوواي، وطول عمري مكنش عندي سبب أصدق إن في مكان في الدنيا ممكن يتمسك بيا.. الحكومة سلمتني كرتونة، وظرف خفيف، وكلمتين وداع محفوظين من كتر ما اتقالوا لغيري.. الكرتونة كان فيها بقايا أثر أمي، والظرف كان فيه مبلغ صغير.. وحتة حظ من اللي بيدوهالك الناس لما ميبقاش عندهم حاجة تانية يقدموها.
​جوه الكرتونة لقيت تلات حاجات: خاتم فضة مسود من الزمن، شهادة ميلاد مكتوب جنب اسمي فيها 'هولوواي'.. وصورة بولارويد لأمي واقفة قدام بيت أبيض ووراها أرض مفتوحة وحظيرة

مايلة كأنها بتعاند الريح.. ومكتوب وراها: 'بيت ماما.. برايروود، مونتانا'.
​ده كل اللي كان معايا.. اسم، مكان، وصورة بيت أشبه بالإشاعة!
​لسنتين كاملين، اشتغلت في أي مكان.. غسلت أطباق، رصيت رفوف، وشيلت صناديق، ونمت على كناب ناس غُرب.. وكل ما أدخل مدينة فيها مكتبة، أجري على الكمبيوتر.. أدور على 'برايروود'.. أدور على 'هولوواي'.. بقلّب في الأرشيف بفلوس مواصلات مستلفة وبعناد غريب.. لحد ما في عصر يوم بارد.. لقيتها!
​'إيميلين هولوواي.. 80 فدان.. بيت مزرعة وحظيرة.. ضرائب متأخرة.. ومزاد مقاطعة بعد تلات أيام.. الحد الأدنى للمزايدة: 5 دولار!'
​دخلت قاعة المزاد وتوب غبار على جزمتي.. 6 رجالة عواجيز قاعدين بيطالعوا في الورق كأنه مصيبة مش فرصة.. الموظف بدأ يقرأ بنبرة ميتة لحد ما وصل لآخر بند: 'عقار هولوواي.. الحالة كما هي.. المزاد يبدأ بـ 5 دولار'.. مفيش حد اتحرك.. الموظف كرر: '5 دولار.. حد يزود؟'
​رفعت إيدي وبصوت غريب ثبت فجأة قلت: '7 دولار!'
​الرؤوس كلها لفتت ليا.. شنطة ظهر متبهدلة، جاكيت رخيص، ووش صغير جداً.. الموظف رفع حاجبه: '7 دولار.. حد يقول 8؟'.. القاعة سكتت.. خبطت المطرقة.. وصرت أملك أرض أكبر من خيالي، ورعب أكتر من طاقتي! سلمني المفاتيح وقاللي: 'قدامك 90 يوم تدفعي الضرائب المتأخرة، وإلا المقاطعة هتاخدها تاني'.
​المشوار للمزرعة
كان طويل.. الأفق مفتوح من كل حتة لحد ما حسيت إن الفراغ نفسه بيبصلي وبيسألني: هتعملي فيا إيه؟ وفجأة.. ظهر البيت.. أبيض متهالك، الشرفة ساقطة، والشبابيك فوق فاضية ومرعبة.. وقفت دقيقة والمفاتيح بترعش في إيدي.. فكرة واحدة خطرت في بالي: 'تقدري تهربي وترجعي'.. بس مرجعتش!
​زقيت الباب الأمامي.. هجمت عليا ريحة ورق قديم وخشب رطب.. الصالة كانت واسعة بس الجبس مدلدل من السقف زي جلد ميت، والأرضية بتزيق تحت رجلي.. مشيت ببطء لحد المطبخ، ومنه لأوضة خلفية.. وهناك شفت الصور.. راجل جنب جرار.. ست شايلة طفل.. وفي النص.. جوه برواز فضي مطفي.. نفس البنت اللي في صورة البولارويد.. أمي! مش في ملف حكومي.. دي صورتها على حيطة البيت ده! لمست الإزاز وأنا بهمس: 'كانت هنا'.. ولأول مرة، كلمة 'عيلة' متبقاش مجرد كلمة مجردة.
​ليلتها نمت في كابينة عربية نقل قديمة ورا الحظيرة عشان المطر.. البرد صحاني قبل الفجر، ومعاه افتكرت رسالة مطوية في الكرتونة لإيميلين.. سطر واحد قرأته تحت ضوء كشاف ضعيف تزلزل معاه كياني: 'لو رجعتي للبيت في يوم.. دوري تحت الحظيرة.. مخبأ جدك لسه هناك.. كل شيء تحتاجينه عشان تبدأي من جديد موجود تحت'.
​جريت على الحظيرة.. ساعتين كاملين بزيح في التراب والقش القديم لحد ما لقيت الباب المخفي.. رفعته فبان سلم ضيق وضلمة نازل لتحت.. ضوء الموبايل كان بيرعش
في إيدي وأنا بنزل.. رفوف، برطمانات، أكياس بذور، وصندوق حديد.. فتحته بأصابع منهارة من التوتر.. جواه فلوس قديمة، رسائل، وكومة كروت أعياد ميلاد مربوطة بشريطة باهتة.. سحبت أول كارت وقرأت: 'عيد ميلادك الخامس سعيد يا أغلى رِن'.
​دمي اتجمد في عروقي.. مكنش المفروض حد يعرفني هنا! فتحت الكارت التاني: 'عيد ميلادك السادس.. سامحينا مكنش بإيدينا نوصلك'.. التالت.. الرابع.. كل سنة بكارت.. وكلهم بخط إيميلين وجملة تكسر القلب: 'مش إحنا اللي سبناكي'.
​كنت لسه هفتح الرسالة الكبيرة اللي تحت الكروت.. لما سمعت فجأة صوت فرامل عربية بره البيت.. وفوق راسي.. باب الحظيرة صرّ وفتح.. وخطوات رجل تقيلة بدأت تدخل المكان ببطء.. وفجأة، شق صوت غريب الظلام من فوقي وقال: 'كنت عارف إنك هتلاقي الصندوق ده في النهاية...!'

نفسي انقطع.. الضلمة حستها بتخنقني وضوء الموبايل في إيدي بدأ يتهز لدرجة إنه ركّز على خيالي أنا على الحيطة.. الخطوات فوقي كانت تقيلة، منتظمة، وواثقة.. خطوات حد حافظ المكان شبر شبر.
​حطيت الصندوق المعدني على الأرض براحة من غير ما أعمل أي صوت، وقفلت كف إيدي على كروت أعياد الميلاد كأني بخبي عمري كله.. الصوت فوقي رجع تاني، بس المرة دي كان أقرب، وكأنه واقف بالظبط فوق فتحة السلم الضيق:
"مش هتطلعي يا رِن؟ ولا فاكرة إن النزول تحت الأرض هيحميكي منهم؟"
​منهم؟

مين دول؟

تم نسخ الرابط