بيت الام المفقود حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​الخوف حرك رجلي غصب عني.. رجعت لورا خطوة، كعب جزمتي خبط في برطمان قزاز قديم.. الصوت كان عالي جداً في السرداب المكتوم.. الخطوات فوق وقفت فجأة.. وساد هدوء مرعب، مفيش فيه غير صوت نفسي اللي بيطلع بالعافية.
​وفجأة.. ضوء كشاف قوي جداً ضرب في عيني من فوق السلم، لدرجة إني غميت عيني بإيدي.. وشفت خيال راجل ضخم نازل السلم خطوة خطوة، والسلالم الخشبية القديمة بتصرخ تحت وزنه.. صوته كان هادي بس مليان تهديد:
"جدك مخباش الفلوس دي عشان تبدأي بيها حياة جديدة يا شاطرة.. الفلوس دي كانت تمن سكوتنا كل السنين دي.. ودلوقتي، بما إنك جيتي.. فالحساب لازم يقفل."
​لما قرب والضوء جه على وشه، شفت ملامحه.. كانت فيه شبه غريب من الراجل اللي في الصورة القديمة اللي فوق.. بس عينيه كانت باردة وخالية من أي رحمة.. مد إيده اللي لافة عليها قماشة سودا وقال بنبرة حاسمة:
"هاتي الصندوق.. والورق اللي جواه.. وإلا الـ 90 يوم اللي المقاطعة مديّاهم ليكِ، مش هتعيشي منهم ولا 90 ثانية!"
الضوء عمى عيني، وبقيت شايفة خياله بس وهو بيقرب.. وحش كاسر نازل السرداب.. عقلي كان بيصرخ: "اتحركي!"، بس رجلي كانت لزقت في الأرض من الرعب.
​لما لقى السكوت ده، ابتسم ابتسامة صفرا ومد إيده أكتر عشان يخطف الصندوق.. وفي اللحظة دي بالذات، الخوف اتقلب لعناد.. العناد اللي مشاني في شوارع مونتانا سنتين مخلانيش أموت من الجوع، مش هيموتني هنا!
​وطيت بسرعة البرق، وبأقصى قوة عندي، حدفت برطمان القزاز القديم في وشه.. البرطمان اتفركش على جبهته، الضوء اتهز، والراجل صرخ وهو بيرجع لورا وماسك وشه اللي بدأ ينزف.
​استغليت الثانية دي، خطفت الصندوق والكروت في حضني، وزقيت الراجل بكل عزمي وهو مش شايف.. اتكعبل ووقع على الرفوف القديمة، والبرطمانات
بدأت تقع وتتكسر فوقه وصراخه ملى المكان.
​طلعت السلم جري، قلبي هيقف من السقيع والخوف.. بره السرداب، جوه الحظيرة، الضلمة كانت كحل.. لمحت باب الحظيرة المفتوح، وجريت عليه.. بس أول ما خرجت للهواء الطاير، شفت حاجة وقعت قلبي في رجلي.
​عربية الـ "بيك أب" بتاعته كانت واقفة، وموتورها داير.. وكشافاتها العالية منورة البيت الأبيض بالكامل.. وفي وسط النور ده، كان في راجل تاني واقف مستني عند الباب.. ولابس لبس شريف المقاطعة!
​الشريف شاورلي بإيده وهو بيقرب ببطء، وقال بصوت جهوري:
"اثبتي عندك يا رِن.. سلمي الصندوق اللي في إيدك، وبلاش تصعبي الأمور على نفسك.. المزرعة دي عمرها ما كانت ليكي!"

الشريف بيقرب.. النور في عيني.. وصوت الراجل اللي في السرداب بدأ يظهر ورايا وهو بيصرخ وبيلعن وهو طالع.. أنا في النص، محاصرة بين قانون فاسد ومجرم مغلول.
​الشريف حط إيده على طبنجته وقال بنبرة باردة: "قلتلك هاتي الصندوق.. المزرعة دي مدفون فيها سر لو طلع، البلد دي كلها هتنتهي.. وأنتِ أولهم."
​عقلي اشتغل في جزء من الثانية.. لو سلمت الصندوق هموت، ولو فضلت واقفة هموت.. بصيت لـ عربية الشريف اللي دايرة وكشافاتها عمياني.. الباب بتاعها كان موارب!
​بأقصى سرعة عندي، وبدون ما أفكر، رميت نفسي ناحية العربية.. الشريف اتفاجئ وصاح: "اقفي عندك!".. وسمعت صوت طلقة هزت سكوت الليل كله، الرصاصة خبطت في صاج العربية وعملت شرار..
​فتحت الباب وركبت، رميت الصندوق على الكرسي وجبت الغيار ودوست بنزين على الآخر.. العربية صرخت في الأرض وطلعت تفرك وسط التراب.. الشريف والراجل التاني جريوا ورايا وهم بيضربوا نار، الإزاز الوراني اتهشم وملا ضهري فتافيت.. بس كنت خلاص أخدت طريق المدق وبقيت على الأسفلت السريع.
​الدموع كانت

مغرقة عيني والدركسيون بيرعش في إيدي.. الموتور كان بيصرخ وأنا بجري في الضلمة ومفيش ورايا غير كشافات عربية تانية ظهرت فجأة من بعيد وبتطاردني بسرعة جنونية..
​بصيت على الكرسي اللي جنبي.. الصندوق الحديد انفتح من الخبطة.. ووسط الفلوس والورق، طارت ورقة رسمية عليها ختم أحمر قديم.. لمحت أول سطر فيها مكتوب بخط عريض: "أمر مصادرة وإخلاء إجباري لعقار هولوواي - السبب: العثور على منجم..."
​قبل ما أكمل الكلمة، العربية اللي ورايا خبطتني من ورا خبطة غشيمة خلت العربية تلف بيا 180 درجة.. وتحت ضوء كشافاتهم اللي حاصرتني تاني، شفت الشريف والراجل نازلين من العربية، وفي إيديهم سلاح ألي.. والمرة دي، مكنش فيه أي نية للكلام!

العربية لفت بيا والتراب عمى الدنيا، وفجأة الموتور سكت.. كشافات عربيتهم كانت ضاربة في وشي، والاتنين نازلين والبنادق الآلية في إيديهم.. مفيش مفر.
​الشريف قرب وعلامات الغضب مشوهة وشه، رفع سلاحه وعمره ما كان هيردد.. في اللحظة دي، شريط حياتي كله مر قدام عيني، الـ 18 سنة اللي عشتهم مشردة، وصورة أمي، والـ 7 دولار اللي ضيعت بيهم نفسي.
​"انزلوا على الأرض! ارمي السلاح أنت وهو!"
​صوت ميكروفون جهوري هز المكان كله، وبوق عالي دوي في الفراغ.. فجأة، ظهرت من ورا المنحدر تلات عربيات دفع رباعي سودا، كشافاتها عملاقة، ورمت نور أزرق وأحمر قوى قيد البلدة كلها.. قوات "الشرطة الفيدرالية (FBI)".
​الشريف والراجل اتجمدوا في مكانهم.. الشريف حاول يخبي سلاحه ويقول: "أنا شريف المقاطعة!"، بس الضابط الفيدرالي صرخ فيه: "ارمي السلاح وإلا هنضرب في المليان! أنت تحت المراقبة الفيدرالية من شهور!"
​في ثواني، كان الشريف والراجل التاني مكلبشين على الأرض.. الضابط الكبير قرب من عربيتي، فتح الباب

وبصلي بنظرة مليانة أسف واحترام، وبص على الورقة اللي في إيدي وقال:
​"أنتِ بخير يا آنسة رِن؟ إحنا بندور على الصندوق ده والورق اللي جواه من سنين.. عيلتك ماتت عشان تحميه من فساد الشريف ده وأعوانه اللي كانوا عايزين يسرقوا أرضكم بعد ما اكتشفوا إن تحتها أكبر منجم ذهب ونفط في الولاية.. الـ 80 فدان بتوعك يا رِن.. وأنتِ دلوقتي مش بس عندك بيت.. أنتِ بتملكي حرفياً ثروة تغير المقاطعة دي كلها."
​بصيت للصندوق، ولأول مرة الدموع اللي نزلت من عيني مكنتش دموع خوف.. كانت دموع انتصار.. الـ 7 دولار غيروا كل شيء، وأخيراً.. رِن هولوواي لقت بيتها.. ومحدش هيقدر يطردها منه تاني أبداً.
الضابط مد إيده وساعدني أنزل من العربية، ورجلي بتترعش بس المرة دي من الصدمة، مش الخوف.
​الدنيا حواليا كانت مقلوبة.. أضواء الشرطة الفيدرالية بتلف، وصوت اللاسلكي بيملا المكان، والشريف والراجل التاني بيتجروا على عربيات البوكس وهم بيشتموا ويبصولي بغل.
​الضابط شاور لعسكري يجيبلي بطانية، وحطها على كتفي وقاللي وهو بيبتسم:
"تقدري ترتاحي دلوقتي.. الكابوس انتهى.. المحامين بتوع الحكومة هيخلصوا كل ورق الأرض باسمك الصبح، والـ 90 يوم بتوع الضرائب؟ اعتبريهم اتدفعوا من مكافأة الدولة ليكي عشان كشفتي شبكة الفساد دي."
​بصيت للبطاقات القديمة اللي في إيدي.. كروت أعياد ميلادي اللي افتكرت إن محدش اهتم بيها.. وضمتها لصدرى وأنا ببص لبعيد، ناحية المزرعة.
​البيت الأبيض الباهت والحظيرة المايلة مكنوش مجرد خشب مكسور.. دول كانوا الحصن اللي عيلتي ماتت عشان تحميه وتحافظ عليه ليا.. والـ 7 دولار اللي كانوا كل ما أملك، رجعوا لـ رِن هولوواي حقها، وكرامتها، وأرضها.
​أنا مش رِن المشردة بتاعة الكراتين الحكومية تاني.. أنا رِن هولوواي.
. صاحبة الأرض، والسر، والمستقبل.

تم نسخ الرابط