جنازة الفلاح حكايات صافي هاني
جنازة الفلاح اللي عنده ستين سنة بدأت بدري في صباح يوم برد. السما الرمادية كانت مغيمة وتقيلة فوق الترب، والهوا كان بيحرك غصون الشجر العريانة براحة، والأرض الطينة من مطر بالليل كانت بتلزق في جزم الناس كلها. القرايب والجيران وأهل البلد كلهم اتجمعوا حوالين القبر الجديد، عشان كل اللي في المنطقة كانوا عارفينه. اللي كان بيشتري منه لبن، واللي اشتغل معاه في الغيط، واللي كان بيحترمه لشهامته وأكل عيشه الحلال.
جنب النعش كانت مراته واقفة وعينيها حمرا من كتر العياط، وجنبها ابنهم عمال يدخن في صمت، وكل شوية يدير وشه الناحية التانية عشان محدش يشوف وشه وهو بيترعش. الشيخ كان بيقرا القرآن بصوت هادي والناس كلها موطية راسها. مكنش فيه صوت مسموع غير الهوا وصوت عياط الستات المكتوم.
في اللحظة دي بالذات، طلع صوت دوشة عالية أوي وقريبة.
في الأول، محدش فهم فيه إيه. الناس بدأت تتلفت حواليها، وبعد
شكل الحصان كان غريب أوي.
عينيه كانت مفتوحة على آخرها، ومنخيره بتنفخ جامد، وعرقه كان مغرق رقبته. كان بيجري بسرعة رهيبة لدرجة إن الطينة كانت بتطير من تحت حوافره. كذا راجل جريوا عليه عشان يمسكوا لجامه، بس رعد نطر راسه العنف وفلت منهم، وصهل بصوت عالي ومرعب خلا قشعريرة تمشي في جسم كل اللي واقفين.
طلعوا الحصان ده بره هنا! واحد من وسط الناس صرخ بصوته.
بس الحصان مكنش سامع لحد.
وقف فجأة جنب النعش وبدأ يتصرف بطريقة أغرب. في الأول، رعد قعد يلف حوالين النعش وهو بينهج جامد وبيشمشم في الغطا. وفجأة، خبط الخشب بحافره.
طلع صوت خبطة مكتومة وقوية.
الناس اتخضت.
ده اتجنن من حزنه عليه، ست همست بالراحة للي جنبها.
بس رعد خبط الغطا تاني.
وتاني.
ومع
الستات صرخوا. وفيه ناس رجعت لورا من الرعب.
الحصان بدأ يضرب غطا النعش بغل وعنف، كأنه بيحاول يوصل لحاجة جواه. الخشب المدهون بدأ يتشقق. خبطة.. في الثانية.. في الثالثة.
وفجأة، طلع صوت فرقعة عالي هز الترب كلها.
غطا النعش اتكسر واتفلق نصين.
ولكام ثانية، ساد صمت رهيب وموت في المكان.
الناس وقفت ميتة في مكانها من الرعب، وعينيهم مبرقة وبيبصوا جوه النعش.
وبعدين طلع صوت خايف ومبحوح وهو بيهمس
يا نهار أسود.. يا خبر مش فايت..
جوه النعش كان..
جوه النعش مكنش فيه جثة الفلاح!
النعش كان مليان قوالب طوب وأكياس رمل متقفل عليها بكفن عشان
في اللحظة دي، ابن الفلاح اللي كان واقف يدخن وعلامات الوجع على وشه ركبته مأشالتهوش ووقع على الأرض وهو بينهار ويعيط، بس مكنش عياط حزن.. كان عياط خوف ورعب بعد ما السر اتكشف.
الناس اتلمت حواليه والرجالة مسكوه وهزوه جامد انطق يا ابني! أبوك فين؟ إيه المهزلة دي؟
الابن، وهو بيترعش وصوته ضايع، اعترف بالحقيرة أبويا ممتش موتة ربنا.. عمي قتله أول امبارح عشان يورث أرض الغيط، وهددني يقتلني أنا وأمي لو نطقت. هما دفنوا الجثة في وسط الغيط بالليل عشان المباحث متمسكش عمي، وعملوا الجنازة الفاضية دي قدام البلد عشان يبان إن الموتة طبيعية والكل يشهد!
عم الولد، اللي كان واقف ورا خالص، أول ما سمع الكلام ده وشه جاب ألوان وحاول يهرب ويجري بين المدافن، بس رجالة