جنازة الفلاح حكايات صافي هاني
منه؛ قفشوه وكتفوه تماماً لحد ما طلبوا البوليس.
الحصان رعد هدي خالص، وراح وقف جنب ابن الفلاح، ونزل راسه يمسح في كتفه كأنه بيطمنه، بعد ما روح الفلاح الوفية حركت الحصان عشان يجيب حق صاحبه اللي اتغدر بيه
البوليس وصل الترب في دقايق بعد ما رجالة البلد اتصلوا بيهم، وأخدوا العم والابن على المركز عشان التحقيق، وطبعاً النيابة اتتحركت فوراً معاهم على الغيط عشان يطلّعوا جثة الفلاح الغلبان اللي اتغدر بيه.
البلد كلها كانت مقلوبة، ومحدش كان مصدق البشاعة دي؛ أخ يقتل أخوه عشان حتة أرض؟ والابن يخبّي من خوفه؟
بعد كام يوم، وبعد ما الطب الشرعي عاين الجثة وكل الإجراءات خلصت، اتعملت جنازة تانية للفلاح.. بس المرة دي كانت جنازة حقيقية. البلد كلها كانت ماشية فيها، والكل بيدعيله بالرحمة والمغفرة.
أما رعد، فبقى سيرة على كل لسان في المحافظة كلها. الناس كانت بتيجي مخصوص عشان تشوف الحصان الوفي اللي كشف جريمة قتل وصان عشرة صاحبه لحد آخر لحظة. ابن الفلاح أخد عهد على نفسه إنه عمره ما هيبيع رعد ولا هيقصر معاه في أكل أو شرب، وفضل الحصان عايش في الغيط، بيمشي وسط الزرع كأنه حارس للمكان، وشاهد حي على إن الوفاء مبيموتش.
ومع الأيام، الابن بدأ يفوق لنفسه ويفهم الدرس اللي الحصان علمهوله. رعد مكنش مجرد حيوان أخرس، ده كان الدرس اللي فوقه وفك عقدة لسانه وخلاه يخلص من كابوس الخوف من عمه. الابن رجع يقف في الغيط تاني، وبقى يراعي الأ
رض بكل همة كأنه بيعوض أبوه عن الأيام اللي فاتت، وطبعاً رعد كان دايماً وراه خطوة بخطوة، مبيفارقهوش لحظة.
العم أخد جزاءه العادل والمحكمة حكمت عليه بحكم يبرد
وفضلت قصة الفلاح ورعد تتدور بين الناس في القعاد على القهاوي وفي الغيطان، وبقت مثل بيضربوه للعيال الصغيرة عن معنى صون العشرة. والناس في القرية بقوا لما يشوفوا رعد ماشي في السكة، يوسعوا له الطريق باحترام ويقولوا أهو ده السند الحقيقي اللي مجابتهوش بطن بني آدم.. سبحان الله اللي حط الروح والوفا في الحيوان، وخلى الحصان أجدع من ميت راجل!
وعدت السنين، وبقت الحكاية دي تاريخ في البلد. ابن الفلاح اتجوز وخلف ولد، وأول حاجة عملها إنه سمى ابنه على اسم أبوه الله يرحمه، وعلمه من صغره إزاي يركب رعد ويراعي خاطره.
رعد كبر في السن وعجز، حركته بدأت تتقل وشعره يبيض، بس مكانته في قلب العيلة وفي البلد كلها متهزتش ولا سنتي. كان ليه معزة خاصة، الأكل بيجيله لحد
وفي يوم من الأيام، في نفس الصباح البرد اللي بدأت فيه القصة دي كلها، دخل الابن الزريبة عشان يطمن على رعد كالعادة، لقى الحصان نايم على جنبه براحة تامة، وعينيه مقفولة في سلام. رعد مات.. مات بعد ما أدى أمانته على أكمل وجه، وصان العشرة لحد آخر نفس في عمره.
الابن بكى عليه زي ما بكى على أبوه، ورفض تماماً إن رعد يتدفن في أي مكان غريب. حفروا له قبر مخصوص في قلب الغيط، تحت الشجرة الكبيرة اللي كان الفلاح دايماً بيقعد يستظل بظلها وهو ورعد بعد تعب الشغل. وبقت الأرض دي مش مجرد غيط، دي بقت رمز حي للوفاء والشهامة اللي عاشت وماتت في المكان ده، وفضل كل اللي يعدي من جنب الغيط يقرأ الفاتحة للفلاح، ويترحم على الحصان الأجدع من بني