جوزي سابني عشان بشرة اولادي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


​وقال له بنبرة هزت الأوضة: "إحنا منعرفكش يا فندم. أنت مين؟"
​دانيال انهار وبدأ يعيط بضعف: "أنا أبوكم.. والله أنا أبوكم.. التحاليل والجينات.."
​قاطعتُه وأنا بقوم من ورا مكتبي بكل هيبة، وقفت قدامه وبصيت في عينيه المكسورة وقولتله:
"أنت مجرد سطر قديم في عقد انتهى وصلاحيته راحت من تلاتين سنة. الورقة اللي رميت فيها اسمك زمان، هي نفس الورقة اللي مسمحتلكش النهاردة يكون ليك مكان وسطنا.. تقدر تتفضل برا، لأن وقتنا غالي جداً".
​لف دانيال ضهره وخرج وهو بيجر رجليه، والباب اتقفل وراه للمرة الأخيرة.. بس المرة دي، السكوت اللي ملى الأوضة كان سكوت انتصار، وصوت ضحكات ولادي الخمسة وهي بتملا المكان كانت أجمل رد على كل الوجع القديم.

بعد ما الباب اتقفل وراه، الأوضة رجعت لهدوئها، بس المرة دي كان هدوء حديد، هدوء ناس عارفة قيمتها ومكانها فين. ولادي بصوا لي، ومن غير ولا كلمة، بنتي الصغيرة قربت مني وحضنتني، كأنها بتطمن قلبي إن المشهد ده كان لازم يحصل عشان الصفحة دي تتقفل للأبد.
​دانيال خرج من مبنى الشركات بتاعي وهو مش شايف قدامه. الراجل اللي عاش حياته كلها فاكر إن الفلوس والاسم هما اللي بيعملوا البني آدم، خرج برصيف الشارع وهو معاهوش حتى ثمن تذكرة الأتوبيس اللي هيرجعه بيته القديم. الندم كان بياكل في قلبه زي الدود، بس ندم متأخر، ندم على العمر اللي ضاع في الغرور، وعلى الخمس جوهر اللي رماهم في الزبالة بإيديه عشان شوية أوهام.


​أما إحنا، فكملنا اجتماعتنا عادي جداً. الصفقة اللي كنا بنرتب ليها تمت، والشركة كبرت أكتر وأكتر. وبقيت كل ما أبص لولادي الخمسة وهم ناجحين، وسند لبعض، وبشرتهم السمرا دي بتنور في كل مكان يدخلوه بأدبهم وعلمهم، بفتكر ليلتها في المستشفى وبقول لنفسي: "الحمد لله إنك عميت عينه وعقله في اللحظة دي.. عشان لو كان فضل، كان بوظ حياتنا".
​الحكاية مش حكاية فلوس كسبناها من قضية، الحكاية حكاية حق رجع لأصحابه، ودرس لكل واحد فاكر إن الكسر ملوش جبر. دانيال عاش الباقي من عمره وحيد، ملوش ونيس ولا سائل فيه، وإحنا عشنا عيلة واحدة، إيد واحدة، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرنا.
​وهي دي النهاية اللي كانت مستنياه من تلاتين سنة.. نهاية كتبتها بخط إيدي يوم ما وثقت في جيناتي، وفوضت أمري لربنا، وقريت البند الأخير في العقد!
وعدت السنين، وبقيت بلقب "الإمبراطورة" مش بس في السوق، لا ده في وسط عيلتي الصغيرة اللي بقت بتكبر كل يوم. ولادي الخمسة اتجوزوا وفتحوا بيوت، والأوض الطاوية اللي في فيلتي اتملت بصوت ضحك ولعب أحفادي. سبحان الله، الدنيا لفت وأحفادي طلعوا ميكس مننا كلنا، فيهم الأبيض وفيهم الأسمر، بس كلهم طالعين لجدتهم... عينيهم قوية ومليانة ذكاء.
​وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في الجنينة وسط لمتهم والعيال بتجري حواليا، جالي ابني الكبير وهو ماسك تليفونه، ووشه فيه تعبير غريب.
​قعد جمبي وقال بصوت هادي: "أمي... دانيال اتوفى النهاردة الصبح
في المستشفى الحكومي اللي كان قاعد فيها بقاله شهر."
​الجنينة كلها سكتت فجأة، وولادي الأربعة التانيين قربوا ووقفوا حواليا مستنيين يشوفوا رد فعلي.
​بصيت لبعيد، وافتكرت ملامحه وهو بيزعق في المستشفى زمان، وافتكرت كسرة عينه من كام سنة لما جه متبهدل بيطلب السماح. الغريب إني محستش بأي شماتة، ولا حتى زعل. حسيت براحة... كأن آخر خيط كان رابطني بالماضي والوجع اتقطع تماماً.
​بصيت لأولادي وقولت بابتسامة صافية: "الله يرحمه ويسامحه... إحنا خدنا حقنا منه في الدنيا تالت ومتلت، ويوم ما سابنا واختار يمشي، ربنا عوضني بيكم وبنجاحكم. يلا يا حبيبي، كلم المحامي بتاعنا يخلص كل إجراءات ومصاريف الدفن على حسابنا، إحنا ولاد أصول وبنعمل بأصلنا."
​أولادي بصوا لي بفخر، وابنتي لفت دراعها حوالين كتفي وقالت: "طول عمرك كبيرة يا أمي، وعلمتينا نكون كبار."
​دفنا دانيال وقفلنا صفحته للأبد من غير شوشرة ولا كلام، ورجعنا لحياتنا ونجاحنا. وأنا واقفة في بلكونة مكتبي ببص على النيل والغروب، أدركت إن أكبر انتقام في الدنيا مش إنك تأذي اللي أذاك، أكبر انتقام هو إنك تنجح، وتكبر، وتعيش سعيد ومبسوط لدرجة إن وجودهم أو غيابهم من الدنيا ميبقاش فارق معاك ولا بهمسة.
​القصة قفلت ستارتها، والعدل األهي كتب كلمته الأخيرة: الظالم عاش ومات لوحده، والمظلومة بقت أم الأبطال.
بعد سنين من وفاة دانيال، الحياة فضلت مستمرة، وقطر النجاح مكنش بيقف. وفي يوم من الأيام،
وأنا بنظم ورق قديم في مكتبة البيت، وقع في إيدي ملف مغبر... كان هو ده، "عقد شروط ما قبل الجواز" الأصلي اللي غير مسار حياتي كلها.
​مسكت الورقة بإيد بتترعش من الذكريات، وبصيت على إمضاء دانيال اللي حبرها بهت مع الزمن. ضحكت من قلبي وأنا بفتكر إزاي الغرور ممكن يعمي بني آدم ويخليه يمضي على وثيقة دمار نفسه وهو فاكر إنه الأقوى.
​جمعت ولادي الخمسة وأحفادي حوالين السفرة في ليلة شتا دافية، وطلعت لهم العقد ده.
​ابني الكبير ابتسم وقال: "هو ده الحرز اللي أنقذنا يا أمي؟"
​قولتلهم: "لا يا أولادي.. العقد ده كان مجرد سبب وتدبير من ربنا. الحرز الحقيقي كان ثقتي في نفسي، وإني مخوفتش وأنا لوحدي في عتمة الأوضة والممرضات بيوشوشوا عليا. القوة مكنتش في البنود المكتوبة، القوة كانت في قلبي اللي رفض يتكسر."
​أحفادي الصغيرين كانوا بيسمعوا القصة وهم مبهورين، وبشرتهم السمرا بتلمع تحت نور النجفة الكبيرة. قمت من مكاني وولعت عود كبريت، وحرقت العقد قدامهم كلهم ورميت رماده في المنفضة.
​الورقة اللي بدأت الحكاية دي انتهت وبقت تراب، لأننا مبقناش محتاجينها عشان نثبت وجودنا أو قوتنا.. إحنا بقينا واقع عايش على الأرض.
​وبقت دي الحكمة اللي ورثتها لولادي وأحفادي: "العقود والفلوس ممكن تروح وتيجي، بس كرامتك وعزة نفسك هما الشيك اللي ملوش تاريخ انتهاء."
​وتوتة توتة، خلصت الحدوتة.. ونامت الأم الإمبراطورية وسط ولادها وهي بالها مرتاح، بعد ما كتبت
آخر سطر في كتاب انتصارها.

تم نسخ الرابط