ظهور من العدم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

البنت الصغيرة جريت قبل ما حد يلحق يوقفها.
جاكتها الأخضر اللامع لمحوه بين الكراسي الخشب وهي رايحة بتجري على منصة المستشار ومسكت في الحرف بتاعه بإيديها الاتنين.
قاعة المحكمة كلها حالها اتقلب.
خدودها كانت مبلولة من الدموع.
شفايفها كانت بترتعش.
بس فضلت متبتة كأن المنصة دي هي آخر حاجة واقفة بينها وبين إنها تخسر أبوها للأبد.
أبوس إيدك خلي بابا يرجع البيت.
الناظرة العجوزة نزلت الورق اللي في إيدها.
كانت قاعدة على كرسي متحرك ورا المنصة الطويلة، شعرها أبيض ومترتب، والنضارة نازلة على أرنبة مناخيرها، ووشها واخد على إنه ما يبيّنش أي مشاعر.
وليه المفروض أعمل كده؟
البنت مسحت كمها في خدها.
هو ماسرقش لنفسه.
ناس من الحاضرين في القاعة اتململوا في مكانهم.
نظرة القاضية حنت لكسر من الثانية.
وبعدين نشفت تاني.
البنت بصت للكرسي المتحرك بتاع القاضية.
ورجعت بصت لعينها تاني.
لو ساعدتيه...
القاضية ميلت عليها أكتر.
صوت الطفلة بقى هادي وصغير.
أنا ممكن أساعد رجليكي.
قاعة المحكمة ساد فيها صمت تام.
صوابع القاضية ضغطت على ورق القضية.
البنت قربت بحذر وهي بترتعش، وحطت إيدها الصغيرة على جنب الكرسي المتحرك.
القاضية فتحت بقها عشان تتكلم.
فجأة رجلها اتحركت.
مجرد ركشة صغيرة تحت الروب.
الورق اتزحلق من إيدها.
وشها اتخطف ودمه هرب.
وهمست
عرفتي منين إن حسيته؟
القاضية فضلت متنحة

للبنت، وإيدها اللي بتترعش نزلت على العجل بتاع الكرسي المتحرك وكأنها بتطمن إنها لسه مشلولة.
الحاضرين في القاعة كلهم وقفوا على رجل، والهمهمات زادت، وعساكر الأمن اتلفتوا لبعض ومش فاهمين المفروض يعملوا إيه.
يا فندم.. تحبي أخرج البنت برة؟
العسكري قرب وهو متردد، بس القاضية رفعت إيدها بسرعة ومن غير ما تبص له عشان تسكته. عينيها كانت مركزة بالكامل على عيون البنت الصغيرة.
أنتِ عملتي إيه؟
صوت القاضية طلع مخنوق، مش زي الصوت القوي الحازم اللي متعودين عليه في المحكمة.
البنت الصغيرة ما خافتش، وفضلت حاطة إيدها على الكرسي، وقالت بصوت واثق رغم طفولته
بابا ما كانش بيسرق عشان ياكل.. بابا كان بيدور في الكتب القديمة على طريقة يرجع بيها الحركة لرجليكي، عشان شافه في التلفزيون وأنتِ بتقولي إن العدالة مابتتشلش.. هو قالي إن السر في إيدي أنا.. بس الورقة اللي فيها الطريقة كانت في الخزنة.
القاضية لفت الكرسي بتاعها وبصت للمحامي، وبعدين بصت للأحراز اللي متقدمة في القضية؛ كتاب قديم مجلد وجنبيه ورقة بردي متبهدلة.
دمعة نزلت من عين القاضية العجوزة، ومسكت شاكوش المحكمة وخبطت بيه خبطة واحدة قوية هزت القاعة
رفعت الجلسة للمداولة!
القاضية دخلت أوضة المداولة وهي مش مصدقة اللي حصل، والكرسي المتحرك كان بيتحرك بيها وهي حاسة بإن رجليها فيها دفا بقالها سنين ما حستش بيه.
وراها
في القاعة، المحامين والناس قعدوا يتوشوشوا بصوت عالي، والكل كان مذهول من اللي البنت الصغيرة عملته، وأبوها واقف في قفص الاتهام وعينيه مليانة دموع وخوف على بنته.
بعد ربع ساعة، الباب اتفتح والقاضية رجعت تاني للمنصة.
المرة دي، كان فيه حاجة مختلفة... ملامح وشها كانت أهدى، والنظارة شالتها خالص وحطتها على المكتب.
قعدت على كرسها، وبصت للورق اللي قدامها، وبعدين بصت لأبو البنت في القفص وقالت بصوت قوي رجع الهيبة للقاعة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أقوال الشهود.. والمحكمة إذ تأخذ في اعتبارها الظروف الإنسانية والدوافع القهرية للمتهم...
سكتت لثانية، وبصت للبنت الصغيرة اللي كانت واقفة جنب عسكري الأمن ومتبتة في فستانها.
حكمت المحكمة حضورياً ببراءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه، ومصادرة المضبوطات القديمة لصالح هيئة الآثار.
خبطت بالشاكوش خبطة أخيرة.
رفعت الجلسة.
القاعة كلها اتقلبت بفرحة وزغاريط من أهل الراجل، وجري بسرعة على برا القفص عشان ياخد بنته في حضنه.
وفي اللحظة دي، والقاضية بتلم ورقها عشان تقوم، ساندت بإيديها على المنصة... وولأول مرة من عشر سنين، وقفت على رجليها خطوتين قبل ما تقعد تاني على الكرسي والابتسامة على وشها.
الراجل خرج من القفص والدموع مغرقة وشه، ورمى نفسه على الأرض عشان ياخد بنته في حضنه. البنت فضلت متبتة في رقبته وهي بتعيط وتقول
قولتلك يا بابا هترجع معايا.. قولتلك المستشارة هتعرف إنك طيب.
الناس في القاعة كلهم كانوا بيبصوا للمنصة وهم مش مصدقين، وعساكر الأمن نفسهم وقفوا مذهولين، فيه اللي بيفرك في عينيه وفيه اللي بيبص لزميله عشان يتأكد إنه مش بيحلم. القاضية كانت واقفة وساندة بإيدها على المكتب الخشب، جسمها كله كان بيترعش من الصدمة والفرحة، وعينيها منزلة دموع هادية وصافية.
المحامي بتاع الراجل قرب من المنصة وهو مذهول ووشه أبيض سيادة المستشارة.. أنتِ.. أنتِ وقفتِ؟
القاضية بصت لرجليها اللي بقالها سنين وسنين مابتتحركش، وبعدين بصت للبنت الصغيرة اللي في حضن أبوها وابتسمت ابتسامة صافية وقالت بصوت واطي ودافي العدالة فعلاً مابتتشلش يا أستاذ.. والظاهر إن ربنا بعتلي البنت دي عشان تفكرني.
أبو البنت قام من على الأرض وهو ماسك إيد بنته، وقرب من المنصة وبص للقاضية بكل احترامه وامتنانه أنا أسف يا فندم.. أنا دخلت المعرض المقفول عشان أجيب البردية دي بس والله ما كان قصدي سرقة ولا أذى.. أنا قريت في كتاب قديم إن سلالة معينة من القلوب الطاهرة تقدر تشفي العصب الميت باللمس، ولما شوفتك في التلفزيون حسيت إن بنتي هي اللي هترجعلك حقك في الحركة.
القاضية هزت رأسها بالراحة وقالت له خلاص يا ابني.. القضية اتقفلت وأنت بريء، والبردية هتروح مكانها الصح في المتحف.. خد بنتك وروحوا، وحافظ عليها.. دي
مش مجرد بنت، دي بركة.
الراجل وبنته خرجوا من قاعة المحكمة والناس
تم نسخ الرابط