وجدت تليفون زوجي حكايات صافي هاني
لقيت تليفون جوزي الله يرحمه مستخبي في صندوق العدة القديم، الصندوق اللي كان دايماً يقولي إياكي ترميه.. آخر فيديو اتسجل كان في الجراج بتاعنا، الليلة اللي قبل وفاته بالظبط.
جوزي، طارق، مات يوم التلات الصبح في المصنع اللي شغال فيه بقاله 12 سنة.
قالوا عليه حادثة.
عطل في المكنة. وردية حظها وحش. في المكان الغلط والوقت الغلط.
ده اللي اتكتب في التقرير.
طارق سابني لوحدي، ومعايا عيلين، وجراج مليان حاجات مش قادرة حتى ألمسها.
بنتنا، مريم، عندها 12 سنة. كبيرة كفاية إنها تفهم إن أبوها مش راجع تاني، بس صغيرة على إنها تبطل تستنى عربيته وهي راكنة قدام البيت.
وابننا، يوسف، عنده 5 سنين. لسه لحد دلوقتي بيسأل لو كان بابا هيصلحله العجلة بتاعته "لما يرجع".
الجراج ده كان دنيته كلها.
كان بيصلح عجل العيال هناك. وعمل لمريم بيت العرايس بتاعها على ترابيزة الشغل دي. وعلم يوسف إزاي يمسك المفك وكأنه أهم درس في حياته.
وتحت ترابيزة الشغل كان محطوط صندوق العدة الأحمر القديم بتاعه.
من كام سنة، لما كنت بهزر معاه إني هرميه، طارق قلب وش وزعل بشكل غريب.
قالي: "أوعديني إنك هتشيلي الصندوق ده وتستحفظي عليه".
ضحكت وقلتله: "ده كركبة قديمة".
قالي: "لا"، وخبط على غطا الصندوق، "هنا بشيل الحاجات اللي مش عايز أخسرها أبدًا".
عشان كده لما فتحته أخيرًا بعد
في الأول، كانت عدة عادية.. مفاتيح، مسامير، وفواتير قديمة.
بعد كده لمحت القاع المزيف.
طارق كان عامله من سنين، أيام ما كنا مزنوقين في القرش، وكان بيخبي فيه فلوس للطوارئ عشاني.
إيدي كانت بتترعش قبل ما أرفعه حتى.
تحته كان تليفونه القديم.. التليفون اللي كنت فاكرة إنه ضاع. حطيته على الشاحن.
وفيه فيديو لفت انتباهي في الاستوديو.
كان متسجل في الجراج بتاعنا الساعة 11:48 بالليل، الليلة اللي قبل ما يموت علطول.
على الشاشة، طارق كان باصص للكاميرا مباشرة وقالي: "منى، لو أنتي بتشوفي الفيديو ده، يبقى هي وصلت أخيرًا للي كانت عايزاه".
بعد دقيقة، في حد تاني دخل الكادر.
أول ما شوفت مين ده، حطيت إيدي على بوقي من الصدمة.
الشخص اللي دخل الجراج كان أخوه الصغير، كريم.
كريم اللي بقاله أسبوعين قاعد في صالوني بيواسينا ويبكي معايا، وهو نفس الشخص اللي كان واقف في الفيديو وبيزعق مع طارق وعينيه مليانة غل.
في الفيديو، كريم مسك طارق من قميصه وقاله بعصبية: "لو مجمعتش الفلوس دي قبل الصبح، المصنع كله هيولع بيك، وأنت عارف أنا أقدر أعمل إيه كويس يا طارق، ومحدش هيشك فيا".
طارق حاول يهديه وقاله: "دي فلوس عيالي يا كريم، مش هسيبهم يشحتوا". بس كريم زقه جامد وخرج من الجراج وهو بيحلف إنه هيندمه.
الفيديو
كتمت نفسي بالعافية، وحطيت التليفون بسرعه في جيبي وقفلت صندوق العدة ورجعته مكانه. مسحت دموعي وحاولت أجمع ثباتي الانفعالي على قد ما أقدر وأنا قايمة من على الأرض.
خرجت من الجراج والصالة كانت ضلمة، مفيش غير النور اللي جاي من الشارع ومخلي خيال كريم باين وهو واقف مستنيني.
"أنا هنا يا كريم.. في الجراج" قلتها بصوت مخنوق حاولت أبينه إنه من العياط مش من الرعب.
كريم قرب مني وعينيه كانت بتتحرك في الضلمة بتلقائية ناحية صندوق العدة، وبعدين بص في عيني وقالي بنبرة حنينة زيادة عن اللزوم: "مالك يا منى؟ إيه اللي مدخلك هنا بالليل؟ مش قلنا بلاش تقطعي قلبك وتقعدي وسط حاجته؟"
"كنت بشم ريحته يا كريم.. مش قادرة أصدق إنه مشي" قلتها وأنا ببص في الأرض عشان ميلمحش الخوف اللي في عيني.
كريم حط إيده على كتفي، واللمسة دي خلت جسمي كله يقشعر، وقالي: "هو في مكان أحسن دلوقتي يا حبيبتي.. المهم أنتي والولاد. لو عوزتي أي فلوس أو أي حاجة، أنا موجود، طارق الله يرحمه كان غالي عليا وأنا أولى بيكم".
في اللحظة دي، حسيت بنغزة في قلبي.. الفلوس اللي
فجأة، وبدون أي مقدمات، عيني جت على جيب الجاكيت بتاع كريم.. كان فيه حتة حديدة صغيرة مدببة باينة منه، نفس شكل المفك أو الآلة الحادة اللي التقرير قال إنها اتسببت في "العطل المفاجئ" للمكنة اللي طارق مات فيها.
كريم لاحظ إني ببحلق في جيبه، فسحب إيده بسرعة وضم الجاكيت عليه، وابتسم ابتسامة باهتة وقالي: "طيب أسيبك ترتاحي دلوقتي.. بس قوليلي، أنتي لسه ملقيتيش تليفون طارق القديم؟ أصل كان عليه حسابات وشغل للمصنع كنت محتاج أراجعها عشان أظبطلكوا المعاش".
الدم هرب من عروقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. تليفونه القديم؟ يعني هو عارف إن التليفون مش ضايع، وبيدور عليه!
حطيت إيدي في جيبي وضغطت على التليفون جامد عشان أتاكد إنه مستخبي، وبلعت ريقي بالعافية وقلتله: "تليفونه؟ لا والله يا كريم، قلبنا عليه الدنيا أنا ومريم من يوم الحادثة وملقيناهوش، تلاقيه ضاع منه في المصنع يومها".
كريم ضيق عينيه وبصلي نظرة فاحصة، وكأنه بيقرا اللي جوايا. السكوت اللي بيننا قعد ثواني، بس بالنسبة لي كان شبه دهر كامل.
أخيرًا، ملامحه هديت ورجعت الابتسامة الباردة على وشه وقالي: "جايز برضه.. عمومًا لو ظهر قدامك قوليلي علطول عشان مصلحتكم. يلا تصبحي على خير".
لف ضهره ومشي، وأول ما سمعت