منتهي الجحود حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

"أنتِ مكانك مش هنا، أنتِ مجرد غلطة وجحود!".. الاحتفال الدامي: أختي كانت واقفة تبتسم، في نفس اللحظة اللي أمي كانت بتغرس ضوافرها في وشي قدام أكابر وصفوة مجتمع كونيتيكت. كانوا فاكرين إن دمي اللي عمال يسيل في الحفلة اللي مكلفاهم 85 ألف دولار هيكسرني، بس غباءهم خلى عقلي المعماري المعجون بدراسة جامعة ييل يبدأ فوراً في رسم المخطط المثالي لتدميرهم تدمير شامل ومطلق.
​شاشة الآيباد بتاع بابا كانت منورة في ضلمة مكتبه، وكل بيكسل فيها كان بينزل على صدري زي الضربة القاضية. أنا كاثرين آدمز، عندي 24 سنة، وبعد ستة أيام من دلوقتي، هكون واقفة على مسرح جامعة ييل عشان أستلم شهادة الماجستير في الهندسة المعمارية. بس في اللحظة دي، كنت واقفة في ضلمة البيت اللي كبرت فيه، عيني في وسط راسي وأنا ببص على جدول معمول بعنوان "حفلة تخرج بيج المذهلة"، وإيديا كانت بتترعش من الصدمة.
​أبويا وأمي قضوا خمس شهور بيخططوا في السر لحفلة تكلفتها 85 ألف و200 دولار في أرقى وأكبر نادي ريفي في كونيتيكت، كل ده عشان يحتفلوا بأختي "بيج" بمناسبة إنها خلصت دبلومة تسويق مدتها ست شهور في كلية مجتمع عادية!

خمسة وتمانين ألف دولار! في حين إن لما جالي قبول جامعة ييل، أبويا رمالي شيك بـ 500 دولار وقال لي "دول عشان الكتب"، وطلب مني أتصرف بنفسي في الـ 68 ألف دولار الباقيين بتوع سنتي الأولى! وده اللي عملته فعلاً.. طفحت الكوتة واشتغلت في تلات وظائف، وأخدت قروض تكسر الظهر، وعشت على القهوة والمرار الطافح عشان أعدي. ومع ذلك، أختي اللي جتلها عربية بي إم دبليو بـ 52 ألف دولار في عيد ميلادها الـ 18 لمجرد إنها موجودة في الدنيا، بيتعملها مهرجان وريد كاربت وسجادة حمراء!
​بس جدول المصاريف ده ماكانش الصدمة الكبيرة، الصدمة اللي شلتني فعلاً كانت تقسيم المكاتب وتوزيع الكراسي.. اسمي كان مكتوب تحت خانة بعنوان: "ضيوف عموميين (ممنوع تقديم خدمات لهم)".
​متخيلين؟ ماكلّفوش نفسهم حتى يعزموني بشكل رسمي! كانوا بيخططوا يجرجروني لهناك عشان أكون مجرد متفرجة في وسط الزحمة، أشوف بعيني مفاجأة بيج الكبيرة وأموت بحسرتي.
​بعد ست أيام، الفخ اتنصب وأنا كنت جواه. وقفت في قاعة الرقص اللي بتبرق، والكل متجاهلني تماماً كأني هوا. كنت برقب أبويا وهو بيرفع كأسه للمرة الرابعة، وبيتكلم في الميكروفون
وفخور بنفسه وهو بيقول إن بيج هي "الفخر الحقيقي والوحيد لعيلة آدمز". ما نطقش اسمي ولا مرة.. ولا حتى بالغلط! ومن آخر القاعة، عيني جت في عين بيج، ماكانش باين عليها أي ندم أو كسوف، بالعكس، رفعت كاس الشمبانيا في وشي وابتسمت ابتسامة باردة، بطيئة، كلها شماتة وانتصار.
​ماكانش المفروض تعمل الحركة دي.. الابتسامة دي بالذات غيرت كل حاجة.
​بيج كانت فاكرة إن الابتسامة دي هي رصاصة الرحمة والنصر الأخير في لعبة الكوسة والتمييز اللي عشتها معاهم طول عمري، ماكانتش تعرف إنها بالابتسامة دي سلمتني الكبريت اللي هحرق بيه عالمهم المزيف ده كله وأساويه بالأرض.

أنا اتولدت وأنا حاسة إني غريبة في البيت ده، بس في الليلة دي بالذات، الخيط الأخير اللي كان رابطني بيهم اتقطع.
​لما الحفلة خلصت والكل رجع البيت سكران ونايم من التعب، دخلت مكتب بابا تاني. فتحت الآيباد، ونقلت كل الملفات والبيانات الحسابية والجدول السري بتاع الحفلة على الفلاشة بتاعتي. وبصفتي مهندسة معمارية شاطرة وبتفهم في الأرقام والميزانيات، لاحظت إن الأرقام مش راكبة على بعضها؛ الحفلة دي ماكانتش مجرد تبذير، دي كانت عملية

غسيل أموال واضحة وصريحة من ورش المقاولات اللي بابا بيديرها لحساب النادي الريفي. بابا كان بيسرق من ورا الشركاء بتوعه ويقيد المصاريف على إنها "خدمات ترفيهية".
​الخطة بتاعتي بدأت تتحرك زي أحجار الدومينو.
​يوم تخرجي من جامعة ييل جيه، وقفت على المسرح والعميد بيسلمني الماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف، وماكانش فيه ولا مخلوق من عيلتي واقـف يسقف لي، بس ماهمنيش، لأن عقلي كان في مكان تاني خالص. في نفس الساعـة اللي كنت باستلم فيها الشهادة، كان فيه إيميل متجدول اتبعت لجميع أعضاء مجلس إدارة النادي الريفي، وللشركاء بتوع بابا، ومعاه نسخة لصلة المباحث الفيدرالية ومصلحة الضرائب. الإيميل كان فيه المخطط الهندي الصغير اللي بابا عمله، متفسر بالورقة والقلم والبيكـسل.
​لما رجعت كونيتيكت بعد يومين، البيت الكبير المذهب بتاعنا كان مقلوب قـرد.
​عربيات البوليس كانت واقفة سادة الشارع، والضابط كان بيحط الكلبشات في إيد بابا وهو لابس البيجامة، وأمي كانت بتصوت وتلطم على وشها وهي شايفة الموظفين بيحجزوا على العفش والعربيات، بما فيهم العربية البي إم دبليو بتاعة بيج اللي لسه مالحقتش
تفرح بيها.

تم نسخ الرابط