منتهي الجحود حكايات صافي هاني
بيج أول ما شافتني واقـفة على أول الشارع وببص لهم ببرود، جريت عليا وهي بتعيط ووشها أحمر من الغل وقالت لي: "أنتِ السبب! أنتِ اللي عملتي كده فينا يا جاحـدة!"
قربت منها، وبصيت في عينيها بنفس الابتسامة الباردة والبطيئة اللي ورتهالي في الحفلة، وقلت لها بصوت واطي: "أنا حذرتكم.. أنا كاثرين آدمز، مهندسة معمارية، وبعرف كويس إزاي أهد المباني المغشوشة على دماغ أصحابها." سبتها ومشيت وأنا سامعة صوت دندنة عالمهم وهو بيقع وبيتساوى بالتراب، ومن يومها ما بصيتش ورايا تاني.
بيج فضلت تصرخ ورايا وهي منهارة، والصوت بدأ يتلاشى تدريجياً وأنا ببعد عن المكان. قعدت في عربيتي، أخدت نفس طويل، ولأول مرة من سنين حسيت إن صدري خفيف، كأن جبل وانزاح من عليه.
الحجز على أملاك بابا مابيرحمش. الشركاء بتوعه رفعوا قضايا تعويض بالملايين، والنادي الريفي اللي كانوا بيتباهوا بيه رفع عليهم قضية تشهير وسرقة. البيت المذهب اللي عشت فيه طول عمري مكسورة ومتهانة، اتقفل بالشمع الأحمر واتعرض في المزاد العلني عشان يسددوا الديون والضرائب اللي عليهم. بابا لبس قضية اختلاس وغسيل أموال محترمة، والمحامي بتاعه قال له إن أقل حكم ممكن ياخده مش هيقل عن عشر سنين ورا القضبان.
أمي وبيج مافضلش معاهم ولا مليم، واضطروا ينقلوا يعيشوا في شقة إيجار صغيرة وضيقة في أردأ حتة في المدينة، وبقت بيج اللي كانت بتصحى الظهر وتتمنع في الفلوس، مجبرة تشتغل ورديتين في مطعم وجبات سريعة عشان تدفع إيجار الشقة وتصرف على أمها.
بعد شهرين، كنت قاعدة في مكتبي الجديد في واحدة من أكبر شركات الهندسة المعمارية في نيويورك، مكتب واسع يطل على المنهاتن، وبمرتب يخليني مش محتاجة حد طول عمري. تليفوني رن، وكان الرقم من أمي.
فتحت الخط وسبتها تتكلم. كانت بتعيط وبتترجاني بصوت مكسور، بتقولي: "أرجوكي
رديت عليها بكل برود وهدوء، وقلت لها: "أهلي؟ أهلي دول اللي رموا لي 500 دولار وقالوا لي اتصرفي في الباقي وأنا عندي 18 سنة؟ أهلي اللي كتبوا اسمي في خانة الضيوف العامين اللي ممنوع يتخدموا في حفلة بـ 85 ألف دولار؟ أنا نفذت طلبكم بالظبط يا أمي.. أنا بقيت ضيف عام في حياتكم، والضيوف العامين مابيقدموش خدمات لحد. عيشوا بالـ 500 دولار بتاعتكم بقا."
قفلت السكة في وشها، وعملت للرقم بلوك. بصيت للمخططات الهندسية اللي قدامي على المكتب، وابتسمت ابتسامة رضا. أنا مابقتش مجرد مهندسة بتبني مباني من طوب وإسمنت، أنا البنت اللي عرفت تبني حياتها ومستقبلها من وسط الردم والرماد اللي سابوهولي، وهدمت عالمهم المزيف بذكاء وبدون ما أوسخ إيدي بدمهم.
مرت سنة كاملة على اليوم ده. سنة بحالها لمحت فيها اسم عيلتي بس في الجرايد الرسمية، تحت أخبار القضايا والمصادرات، لحد ما في يوم، وأنا خارجة من مؤتمر معماري ضخم في وسط نيويورك، لقيت اللي بتنادي عليا بصوت مبحوح ومكسور: "كاثرين..".
لفيت وشي، وما عرفتهاش في الأول. كانت بيج. البنت اللي كانت بتصرف آلاف الدولارات على لبسها ومكياجها وعربياتها، كانت واقفة قدامي بهدوم دبلانة، وشها شاحب، وتحت عينيها هالات سوداء من قلة النوم والتعب. ما بقاش فيها أي أثر للبنت المغرورة اللي رفعت كاس الشمبانيا في وشي عشان تشمت فيا.
بصيت لها ببرود وقلت: "عايزة إيه يا بيج؟"
دموعها نزلت وقالت بصوت يقطع القلب: "ماما تعبانة جداً في المستشفى يا كاثرين، ومحتاجة عملية فورية، وإحنا ما معناش حتى تمن الكشف. بابا اتمضى عليه الحكم الأسبوع اللي
في اللحظة دي، شريط حياتي كله مر قدام عيني. افتكرت كل ليلة نمت فيها جعانة وتعبانة وأنا بدرس وبشتغل في تلات وظائف، افتكرت نظرات الشماتة والأنانية اللي كنت بشوفها في عيونهم لمجرد إنهم شايفيني أقل منهم. بيج كانت فاكرة إن دموعها دي هتخليني أضعف، بس هي ما كانتش فاهمة إن عيلتي هي اللي موتت فيا أي مشاعر شفقة من ناحيتهم.
فتحت شنطتي، طلعت منها شيك، وكتبت فيه مبلغ 500 دولار بالظبط.
أديتهولها في إيدها، وبصيت في عينيها المكسورة وقلت لها: "ده الشيك اللي بابا ادهوني وأنا داخلة جامعة ييل وقال لي اتصرفي في الباقي. خدي الـ 500 دولار دول عشان علاج أمك، والباقي.. روحي اتصرفي فيه بنفسك واكتشفيه لوحدك يا بيج، زي ما أنا عملت بالظبط."
سبتها واقفة في وسط الشارع بتبص للشيك وهي مذهولة ودموعها مش راضية تقف. ركبت عربيتي وسوقت في شوارع نيويورك الزحمة وأنا حاسة بانتصار حقيقي ونظيف. أنا ما نزلتش لمستواهم ولا بقيت شريرة زيهم، أنا بس رجعت لهم نفس البضاعة اللي باعوهالي زمان، بالمليم والقرش.. وقفلت الباب ده ورايا للأبد عشان أعيش حياتي اللي بنيتها بعرقي وبس.
بعد الموقف ده، حسيت إن الدائرة اتقفلت تماماً، وكل حساب قديم اتصفى بالمليم. الـ 500 دولار دول ما كانوش مجرد فلوس، دول كانوا رصاصة الرحمة اللي ضربتها على الماضي بتاعي معاهم عشان أبدأ حياتي بجد من غير ما يفضل لهم عندي أي حق، ولا يفضل جوايا ليهم أي غل.
عدت السنين بسرعة، وبقيت شريكة أساسية في أكبر شركة مقاولات وهندسة معمارية في نيويورك. اسم "كاثرين آدمز" بقى بيتردد في أكبر المجلات الهندسية، وبقيت أنا اللي بصمم ناطحات السحاب والمباني اللي بتغير شكل المدينة.
في يوم من الأيام، كنت معزومة في حفلة كوكتيل ضخمة بمناسبة افتتاحي لمشروع برج سكني جديد ومبهر في وسط مانهاتن. الحفلة كانت مليانة رجال أعمال، ومستثمرين، وشخصيات من المجتمع الراقي.. نفس الأجواء اللي كانت عيلتي بتموت عشان تدخلها زمان، بس الفرق إن المرة دي أنا مش ضيفة على الهامش، أنا كنت نجمة الحفلة والكل واقف عشان يسمعني.
وأنا واقفة بتكلم مع رئيس مجلس الإدارة، لمحت من بعيد واحدة من البنات اللي شغالين في شركة بوفيه الحفلة، كانت لامة شعرها ولابسة لبس الخدمة الموحد، وواقفة بتوزع كاسات عصير على الضيوف.
لما قربت مني عشان تقدم لي عصير، عيني جت في عينها.. كانت بيج.
الزمن دار دورتو ورجعنا لنفس النقطة، بس الأدوار اتبدلت تماماً. بيج اتجمدت في مكانها لما عرفتني، الصدمة شلتها والكاسات كانت هتقع من إيدها. بصت للمجوهرات اللي أنا لابسها، ولفستاني، وللناس الأكابر اللي واقفين حواليا بيبصولي بكل احترام وانبهار.
عينيها كانت مليانة كسرة وذل وندم، ونزلت راسها في الأرض وهي بتترعش، مستنية مني أقول أي كلمة تهينها أو تفضحها قدام الناس، أو أرد لها اللي عملته فيا زمان لما سابتني واقفة في حفلتها زي الغريبة.
بس أنا بصيت لها بهدوء وابتسامة خفيفة، وأخدت من الصينية كاس عصير، وقلت لها بصوت رزين وكله ثقة: "شكراً يا فندم، الخدمة ممتازة."
سبتها ومشيت وكملت كلامي مع المستثمرين وكأنها مجرد شخص غريب ملوش أي وجود في دنيتي. في اللحظة دي عرفت إن أكبر انتقام مش إنك تأذي اللي أذاك، الانتقام الحقيقي هو إنك تنجح لحد ما يبقوا هما والعدم بالنسبة لك واحد، لدرجة إن وجودهم أو غيابهم ما يحركش فيك شعرة.
سبتها ورايا في الضلمة، ومشيت ناحية النور.. ناحية المستقبل اللي بنيته