ابن اختي اهني حكايان صافي هاني
عدى أسبوعين في سلام تام، لحد ما في يوم وأنا خارجة من الشغل، لقيت عربية لورين أختي واقفة قدام المبنى. أول ما شافتني، نزلت من العربية وجريت عليا، وشها كان أصفر ومخطوف، ومبقاش فيه أثر للغلظة والجرأة اللي كانت بتتكلم بيها على السفرة.
مسكتني من إيدي وقالت وصوتها بيرعش:
"راشيل.. أرجوكي اسمعيني. البنك بعت إنذار بالحجز على البيت. أمي قاعدة جوه مبتفصلش عياط، وأبويا ضغطه علي جداً ونقلوه المستشفى الصبح."
شيلت إيدها من على دراعي بهدوء وقلت لها:
"ألف سلامة عليه. بس ده ملوش علاقة بيا يا لورين. كلمي ديريك جوزك خليه يدفع، مش هو اللي كان بيقول الفلوس دي حق أبويا وأمي عليا؟ ورونا شطارتكم."
لورين عيطت وقالت:
"ديريك معندوش، أنتِ عارفة إننا مديونين! وإيريك قال ملوش دعوة ومش هيدفع مليم من جيبه! البيت هيضيع يا راشيل، هترمي أبوكي وأمك في الشارع؟"
بصيت في عينيها وقولت بكل برود:
"البيت مش هيضيع ولا حاجة. البيت فيه أربع تنفار كبار وصحتهم بمبي. أبويا، وإيريك، وأنتِ، وجوزك. لو كل واحد فيكم اشتغل شغلانة إضافية أو دفع 600 دولار بس في الشهر، القسط هيدفع والبيت هيتأمن. ولا أنتوا شاطرين بس تلموا من بعض 2400 دولار في الشهر عشان تتريقوا على الشغلانة اللي جابتهم؟"
سيبتها وطلعت عربيتي وقفتلت الباب. لورين فضلت تخبط على الإزاز وهي بتصرخ وتدعي عليا وتشتمني بـ نفس الألفاظ اللي كانت بتسكت عليها لما ابنها بيقولها.
وأنا سايقة في طريقي للبيت، فتحت الراديو وعليت الصوت. مكنتش حاسة بأي ذنب، بالعكس، كنت حاسة بنوع من العدالة لأول مرة في
أهلي مكنوش محتاجين مساعدتي، كانوا محتاجين "مغفلة" تشيل عنهم الحمل عشان يعيشوا هما ملوك ويحسسوني إني أقل منهم. بس الدرس بتاع ليلة العشا كان غالي أوي، وعلمني إن صلة الدم مش مبرر أبداً لـ قلة القيمة.
من اليوم ده، أنا بدأت أعيش لنفسي ولـ مستقبلي بس، وهما سيبتهم لـ الدنيا.. عشان تعلمهم إزاي يدفعوا تمن قلة أصلهم، كاش، ومن غير أي خصومات.
بعد شهرين، كنت قاعدة في كافيه وبشرب قهوتي في روقان، لما جالي إيميل من محامي. فتحته وأنا مستغربة، لقيتها رسالة رسمية من أبويا وأمي بيطلبوا فيها "تسوية ودية" قبل ما يرفعوا قضية "نفقة أقارب".
ضحكت بصوت عالي لدرجة إن الناس في الكافيه بصتلي. البجاحة وصلت بيهم لدرجة إنهم عايزين يجرجروني في المحاكم عشان يجبروني أدفع!
كلمت محامي صاحبي واستشرته، قالي بملء فمه: "يا راشيل، القانون معاكي. هما عندهم بيت باسمهم، وأخوكي عايش معاهم وبيشتغل، وأختك وجوزها قادرين على الكسب. القضية دي ملهاش أي أساس قانوني، دي مجرد حلاوة روح ومحاولة لتخويفك".
طمنته وقلتله: "أنا مش خايفة، سيبهم يعملوا اللي هما عايزينه".
وبالفعل، مرت الشهور والبيت اتعرض في المزاد العلني لأن محدش فيهم رضي يدفع دولار واحد من جيبه. إيريك أخويا سابهم وأجر شقة لوحده وعاش حياته، ولورين أختي رفضت تستقبلهم في بيتها بحجة إن جوزها ديريك مش هيرضى. في النهاية، اضطروا يبيعوا البيت بأسوأ سعر عشان يلحقوا يسددوا ديون البنك، واشتروا شقة صغيرة جداً على قدهم في منطقة بعيدة.
في يوم، كنت بشتري طلبات من السوبر ماركت، ولمحت أمي واقفة
شافتني. عيني جت في عينها.
زمان، كنت هجري عليها، أستسمحها وأبوس إيدها وأطلع دفتري الشيكات وأحل لها كل مشاكلها. لكن المرة دي، وقفت في مكاني، وبصيت لها بكل ثبات.
أمي قربت مني خطوتين، وعينيها دمعت، وقالت بصوت واطي ومكسور: "راشيل.. وحشتيني يا بنتي. الدنيا بهدلتنا من بعدك".
كنت قادرة أقول كلام كتير يوجع، كنت قادرة أفكرها بـ ميسون وهو بيتف في طبقي، وبجوز أختي وهو بيضحك، وبأخويا وهو بيعمل "لايك" على طردي من العيلة. بس لقيت إنهم حتى ميتستاهلوش العتاب. العتاب بيبقى على قد المحبة، وأنا محبتي ليهم ماتت الليلة ديك.
ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، وقلت ببرود: "ألف سلامة عليكي يا أمي. ربنا يقويكم".
ودورت وشي، ومشيت خطوتين، وحطيت حاجتي في العربية وسوقت. وأنا بتبسط في المراية وبشوفها وهي واقفة تصغر وتصغر لحد ما اختفت تماماً من حياتي.
أنا راشيل ويتمان، وعندي دلوقتي سبعة وتلاتين سنة. خسرت عيلتي بالدم، بس كسبت نفسي.. ودي أكتر صفقة كسبانة عملتها في حياتي كلها.
القصة خلصت وقفلت صفحتها تماماً. ومن يومها، حياتي اتغيرت 180 درجة.
الـ 2400 دولار اللي كانوا بيروحوا كل شهر في الهوا ل ناس مابتطمرش فيهم اللقمة، بقيت أحوشهم. وبعد سنة كاملة من الراحة النفسية والتركيز في شغلي، قدرت أشتري شقة صغيرة على البحر في بلد هادية، وبقيت بسافر هناك كل ما أحس إني محتاجة أسترخي وأفصل عن العالم.
في يوم وأنا قاعدة على البحر وبقرأ كتاب، تليفوني
قال لي: "راشيل.. أنا عارف إنك عاملة بلوك للكل، بس جبت رقمك من واحد صاحبك في الشغل. أنا بكلمك عشان أقولك إن لورين وديريك اطلقوا، وديريك أخد الواد ميسون ومشي. وأمي وأبويا حالتهم تصعب على الكافر في الشقة الجديدة.. أنا بس كنت عايز أقولك إني آسف.. إحنا اتعمينا بالفلوس وافتكرنا إنك مجبورة علينا".
سمعته للآخر ومقاطعتوش. زمان، كنت هعيط وأقوله "ولا يهمك يا حبيبي إحنا أهل"، بس دلوقتي قلبي كان زي البحر اللي قدامي.. واسع بس غريق ومحدش يقدر يطوله.
قلت له: "يا إيريك، الأسف ده ملوش قيمة دلوقتي. الأسف مش هيصلح الطبق اللي ابن أختك تف فيه وأنتوا بتضحكوا. إنتوا مكنتوش عميان.. إنتوا كنتوا شايفين ومبسوطين وأنا بتهان. كل اللي حصل إن الحنفية اتقفلت، والبيت اللي كان ساندهم وقع، فبدأتوا تحسوا بالذنب".
سكت شوية وبعدين قلت له: "أنا مسمحاكم بيني وبين ربنا عشان مش عايزة أشيل طاقة كره جوايا.. بس رجوع مش هيرجع. ارفعوا راسكم واشتغلوا وشيلوا بعض، زي ما أنا شيلتكم سنين".
وقبل ما ينطق بكلمة، قفلت السكة. وعملت للرقم الجديد بلوك.
دي كانت آخر مرة أسمع فيها صوت حد من عيلتي. مش قسوة قلب، بس نظافة وتطهير لحياتي. ساعات بيبقى البعد هو الدوا الوحيد، صلة الرحم مش معناها إنك تقبل تتداس بالجزم عشان ترضيهم.
أنا دلوقتي عايشة حياتي، بشتغل، وبخرج، وعندي أصحاب حقيقيين بيحبوني لنفسي مش لجيبي. قفلت الباب ورايا ورميت المفتاح في البحر.