ليلي المنصوري حكايات صافي هاني
أول ما مروان شاف الصورة، كان واقف قدام المأذون في القاعة الكبيرة، مستني العروسة اللي الكل بيقول عليها لقطة ومفيهاش غلطة، وفي سرّه كان بيتمنى السقف يقع بيهم قبل ما ينطق كلمة قبلت.
القاعة كانت بتبرق بفلوس الناس الأكابر والمظاهر الكدابة. وزراء، مستثمرين، إعلاميين، ورؤساء شركات كبار مالين الكراسي. فرقة الموسيقى كانت بتعزف نغمات هادية وراقية، والمكان كله ريحته ورد طبيعي غالي، وبرفانات مستوردة، ومستقبل مروان عمره ما اختاره بنفسه.
والدته، الحاجة فوزية، كانت قاعدة في الصف الأول لابس فستان حرير أوف وايت، وعلى وشها ابتسامة النصر، زي الملكة اللي شافت الحرب خلصت بالظبط زي ما خططت. فوزية هانم بَنت شركات مروان جروب من ورث قديم، وبذكاء حاد وقسوة متغطية ب إتيكيت وشياكة. وهي برضه اللي بَنت حياة مروان طوبة طوبة، لحد ما بقى عنده 36 سنة ولسه واقف في المكان اللي بتشاورله عليه.
جنب المأذون، صاحبه وال بيست مان همس له فُك وشك يا عم، أنت شكلك زي اللي رايح يدفع ضرايب!
مروان كان هيضحك سخرية، بس موبايله هزر في جيب الجاكيت.
كان المفروض ينفض له. في أقل من دقيقتين، ياسمين هتدخل القاعة بفستان تفصيل عمولة، مجلات الموضة كلها بتتكلم عنه. الفرح كان بيتنقل لايف عشان الشو، والوجاهة الاجتماعية، ولأجل مصلحة أمه في المقام الأول. كل الكاميرات مستنية لقطة العمر اللي هتجمع بين أكبر عيلتين في السوق.
بس الموبايل هزر تاني.
رقم غريب.
مروان طلع الموبايل بحذر عشان يقرا الرسالة.
أنا حاسس إن ماما بتموت.. هو أنت مروان؟
وتحت الكلام ظهرت صورة.
في الأول، مروان مفهمش هو شايف إيه. إضاءة مستشفى كئيبة.. إيد رفيعة متعلق فيها محاليل.. شعر أسود متبهدل على المخدة.. ووش ست مال ببطء
فجأة، الدنيا اسودت في عينه، وتركيزه كله بقى على ملامح بقها.
ليلى..
إيد مروان سقعت، والموبايل كان هيقع من بين صوابعه. فضل متنح في صورة الست اللي قعد 6 سنين يحاول يدفن ذكرياتها بالشغل، والسكوت، وطاعة أمه.
ليلى المنصوري.
الست اللي أمه اتهمتها إنها طمعانة وحرامية.
الست اللي اختفت فجأة وسابت له ورقة من تلات سطور كسرت ضهره
أنا آسفة.. والدتك كان عندها حق في كل كلمة قالتها عني.. متمشيش ورايا ومتدورش عليا.
بقاله 6 سنين بيقنع نفسه إن الست اللي حبها كانت كدبة. بيقنع نفسه إن ضحكهم في شقتهم البسيطة، وشرب الشاي بالليل في البلكونة، والطريقة اللي كانت بتبص له بيها كأنه بني آدم مش مجرد صاحب ملايين.. إن كل ده كان تمثيل. صدق الكدبة دي عشان لو صدق حاجة ثانية كان هيتجنن.
ودلوقتي، أهي قدامه على الشاشة، دبلانة ومستسلمة للمرض على سرير مستشفى.
المأذون سكت وقال يا عريس؟ سامعني؟
باب القاعة اتفتح.
كل الروس لفت.
ياسمين ظهرت وهي ساندة على إيد أبوها، بتبرق تحت طرحة فستان تمنها يشتري شقة كاملة. كانت حلوة وزي الفل، بس حلاوة شبه الفنادق الخمس نجوم.. فخمة، مبهرة، بس مفيهاش روح ولا دفا. الموسيقى عليت، وابتسامة فوزية هانم وسعت وبقت كلها ثقة.
مروان بص بصلة أخيرة لياسمين، وبعدين لأمه، ورجع بص للصورة.
اللي باعت الصورة دي طفل.
طفل بيقول ل ليلى.. ماما.
ضربات قلبه بقت سريعة وقوية لدرجة إنه سامعها أعلى من صوت المزيكا.
مروان قال بصوت مبحوح أنا آسف...
صاحبه اتصدم أنت بتقول إيه يا مروان؟
مروان ساب مكانه وقف برا الكوشة أنا آسف.. مش هقدر أكمل.
المزيكا قطعت فجأة. والهمهمات والوشوشة ملو القاعة.
ياسمين وقفت في نص
فوزية هانم وقفت من الصف الأول، وقالت بصوت واطي بس كله تهديد ويموت من الخوف مروان.. أقسم بالله لو خدت خطوة كمان...
طول حياته، الصوت ده كان بيمشيه كلمة توديه وكلمة تجيبه.
بس مش النهاردة.
مروان جِري.
صيحات الصدمة والشهقات طلعت من كل حتة وهو بيجري وسط الممشى، عدا من جنب ياسمين، وجنب أبوها اللي متنح، وعدا على صفوف الناس الأكابر والأغنياء اللي عمرهم في حياتهم ما شافوا رجل أعمال وملياردير بيجري وهو مرعوب بالشكل ده. حد نده باسمه.. حد ضحك مش مصدق.. وحد بدأ يعيط من الفضيحة. مروان مسمعش أي حاجة من دي.
زق باب القاعة وخرج للهوا الساقع في الشارع، وهو لسه بلبس الفرح والبدلة التوكسيدو.
السواق بتاعه انتبه بسرعة ووقف جنب العربية المرسيدس يا فندم؟ في حاجة؟
مروان قال وهو بينهج ونفسه مقطوع على المطار.. صالة الطيران الخاص.. حالاً!
السواق اتلخبط بس البوفيه والمعازيم و
مروان زعق بقولك على المطار!
السواق ركب ودور بسرعة.
وراهم، باب القاعة انفتح وخرجت منه أمه، وصوت فوزية هانم هز الشارع وهي بتصرخ مروان! ارجع هنا! مروان!
بس هو مبصش وراه حتى.....
suggestion
العربية طارت على الطريق، ومروان قاعد ورا، بيبص للموبايل وإيده بترحف. كتب رسالة بسرعة للرقم الغريب أنت في مستشفى إيه؟ وماما اسمها ليلى المنصوري؟ طمّني يا حبيبي.
الثواني كانت بتمر كأنها سنين، لحد ما الموبايل رن في إيده. مروان فتح الخط بسرعة وقال بنهج ألو؟ أنا مروان.. أنت مين؟
جاله صوت طفل صغير، خايف وبيعيط بالراحة أنا سيف.. ماما تعبانة أوي يا عمو، والدكتور قال لازم
دموع مروان نزلت من غير ما يحس، وصوته اتخنق ماتخافش يا سيف.. أنا جايلك حالا.. قول لي أنت في مستشفى إيه؟
الولد قال له اسم مستشفى حكومي بسيط في أطراف الإسكندرية. مروان اتصدم.. ليلى اللي كانت عايشة في دلال، دلوقتي في مستشفى بسيط ومش قادرة على تمن عملية؟ بص للسواق وزعق اطلع على طريق مصر إسكندرية الصحراوي فوراً! انسى المطار!
طول الطريق، مروان كان بيفتكر اللي حصل من 6 سنين.. إزاي والدته فوزية هانم حطت ليلى في موقف اتهام بالسرقة، وهددتها بالحبس وتدمير عيلتها لو مابعدتش عنه. ليلى ضحت بنفسها وبحبها عشان تحميه، وهو بغبائه صدق الملعوب. والآن، بيكتشف إن سيف عنده حوالي 5 سنين.. يعني ليلى مشيت وهي حامل في ابنه! ابنه اللي عاش محروم منه بسبب كبرياء وجشع أمه.
بعد ساعتين من السرعة الجنونية، العربية وقفت قدام المستشفى. مروان نزل ببدلة الفرح اللي اتبهدلت عرق وتراب، ودخل يجري وسط نظرات الاستغراب من الناس.
وصل للدور الثالث حسب ما سيف قال له، ولمح من بعيد طفل صغير، ملامحه نسخة من مروان وهو صغير، قاعد على كرسي خشب ونايم من التعب. مروان قرب منه ونزل على ركبه، ولمس كتفه بالراحة سيف؟
الولد فتح عينه، وبص لوش مروان، وفجأة رمى نفسه في حضنه وفضل يعيط ماما هتموت يا عمو؟
مروان حضنه بكل قوته، ودموعه مغرقة وشه لا يا قلب عمو.. لا يا سيف، ربنا موجود ومش هيسيبنا.. بابا هنا خلاص.. ومحدش هيقدر يؤذيكم تاني.
في اللحظة دي، الدكتور خرج من الأوضة وعلامات الإرهاق على وشه، مروان وقف بسرعة وقال يا دكتور.. أنا جوز ليلى.. طمني
الدكتور بصله باستغراب من لبسه بس قال بسرعة