حماتي ضربتني بعد الولاده حكايات صافي هاني
مابقاش فيها غير صوت نفسي التعبان وصوت العياط المكتوم بتاع ليو اللي الممرضة رجعته لحضني تاني. جسمي كله كان مهدود، والوجع بيقطع في ضهري من السحل والنزيف، بس مجرد ما لمست جلد ابني، حسيت بقوة غريبة بتسري في عروقي.
الدكاترة بدأوا يتعاملوا مع التمزق والنزيف بسرعة، وركبوا لي محاليل تانية وأنا عيني مش مفارقة ليو.
الممرضة اللي ضغطت على زرار الرعب قربت مني ودموعها في عينيها وقالتلي أنا أسفة يا مدام.. أنا لما رفعت الغطا وشوفت جوزك وهو بيحط الشنطة السودا في الباسكيت ولقيت السرير فاضي والطفل مش فيه، وسمعتك بتصرخي برة، عرفت إن في جريمة بتخطط لها الست دي. جوزك كان مخبي ابلكيشن تنازل عن الطفل ومستندات تانية تثبت إنك مريضة نفسياً عشان يسقطوا عنك الوصاية!
اتضح إن إلين ومارك كانوا مرتبين كل حاجة من شهور؛ كانوا مستنيين ليو يتولد عشان ياخدوه ويطلعوا بيه برة البلد، ويسجلوا الطفل باسم عيلة مارك بس، ويقنعوا المحكمة إني مش مؤهلة أكون أم بسبب صدمة وفاة والدتي القديمة، وكل ده عشان إلين تضمن إن ثروة العيلة متتوزعش أو تروح ل مدرسة رسم غلبانة زي ما كانوا بيقولوا.
بعد ساعتين، بدأت حالتي تستقر والوجع يهدأ شوية بفعل المسكنات. الباب خبط ودخل ظابط الشرطة ومعاه ورقة وقلم.
بصلي باحترام وقال حمد الله على سلامتك يا مدام. إحنا تحفظنا على المستندات اللي في الشنطة، وفيها دليل إدانة كامل على التزوير ومحاولة الخطف والاعتداء. تقدري تقوليلي أقوالك بالظبط عشان نقفل المحضر؟
بصيت ل ليو اللي كان نايم في حضني ومطمن، ومسحت دموعي وبصيت للظابط بكل قوة وقلتله أنا هقول
الظابط قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وفتح المحضر وبدأ يكتب كل كلمة كنت بقولها. حكيت له عن الست شهور اللي فاتوا، عن النظرات، وعن التهديدات المستخبية اللي كنت بفسرها دايماً على إنها مجرد عقلي بيتهيأله بسبب ضغط الحمل. حكيت له إزاي مارك كان بيقنعني أوقع على ورق متابعة حمل وفحوصات، وطلع في الآخر ورق بيثبت إني بعاني من اكتئاب حاد وهلاوس.
الظابط كان بيهز رأسه ومتأثر جداً باللي بيسمعه، وقبل ما يقفل المحضر قال لي متقلقيش يا مدام، الشنطة اللي حرزناها فيها بلاوي تانية تخص الشغل العقاري بتاع جوزك وإدارة أموال والدته، هما مش بس هيتحاكموا بتهمة خطف وتزوير، دول هيتفتح لهم ملفات تانية خالص هتدمرهم.
بعد ما الظابط مشي، الأوضة رجعت هادية تاني. ممرضة الليل دخلت ومعاها كوباية عصير دافية، وبصت لي بابتسامة صافية وقالت أنا نقلت ليو لأوضة الرعاية ساعة واحدة بس عشان نعمله فحص كامل نتأكد إن مارك مأذاهوش وهو بينقله.. والحمد لله، الولد زي الفل ومفهوش خدش.
لما جابوه لي تاني وحطوه في حضني، حسيت لأول مرة إن الفراغ اللي جوايا من يوم ما أمي ماتت خلاص اتملا. مارك وإلين كانوا فاكرين إن مدرسة الرسم الغلبانة دي هتعيط وتستسلم، مكنوش يعرفوا إن الأمومة بتخلق جوة الست قوة تهد جبال.
بصيت ل ليو وهو نايم في سلام، وبوسته من جبهته وهمست له خلاص يا حبيب ماما.. الكابوس خلص، ومحدش في الدنيا دي هيقدر يبعدك عني تاني.
مرت تلات أيام في المستشفى، وبدأت أسترد عافيتي تدريجياً، والجرح اللي في جسمي بدأ يلم،
في اليوم الرابع، دخلت عليا المحامية اللي مكتب النقابة بتاع المدرسين بعتهالي عشان تقف جنبي وتتابع القضية. كانت ست بشوشة بس ملامحها قوية وجادة جداً. قعدت جمبي على السرير وفتحت ملف وقالتلي بابتسامة وثقة حمد الله على سلامتك يا مدام.. أنا جايبة لك أخبار تثلج الصدر. النيابة قررت تجديد حبس مارك وإلين 15 يوم على ذمة التحقيق، والمحكمة رفضت تخرجهم بأي كفالة بسبب خطورة التهم والمستندات اللي اتمسكت في الشنطة.
سألتها وأنا بضم ليو ليا أكتر يعني مفيش أي ثغرة يقدروا يخرجوا منها؟ إلين ست واصلة وبفلوسها تقدر تعمل أي حاجة.
المحامية ضحكت وقالت فلوسها دي هي اللي ودتها في داهية! الشنطة مكنش فيها بس ورق التزوير بتاع ابنك، دي كانت مليانة عقود بيع وشراء وهمية مارك كان بيعملها لحساب والدته عشان يهربوا من الضرائب، وتنازلات إجبارية من ناس تانية. قضيتك بقيت قضية رأي عام، والكلابشات مش هتتفك من إيديهم قريب، ده غير إننا رفعنا قضية طلاق للضرر وبإذن الله الوصاية والولاية التعليمية ل ليو هتكون ليكي لوحدك بنسبة مية في المية.
نفسي ارتاح لأول مرة من شهور. بصيت من شباك الأوضة، الشمس كانت طالعة والجو هادي، ومبقاش فيه صوت جهاز نبض الجنين اللي كان بيوترني، ولا نظرات مارك الباردة، ولا صوت كعب إلين اللي كان بيرعبني.
الممرضة دخلت وابتسمت وقالتلي يا مدام، أوراق الخروج جاهزة، وتقدري تروحي بيتك أنتِ والبطل الصغير في أي وقت.
لميت حاجتي، وشيلت ليو في حضني، وخرجت من باب المستشفى وأنا رافعة راسي. مكنش معايا
بعد شهرين من اليوم ده، كنت قاعدة في الصالة في شقتي الجديدة الصغيره والدافية، وشمس العصاري مغرقة المكان. ليو كان نايم في سريره الصغير جنب لوحة رسم كبيرة كنت لسه مخلصاها.. لوحة فيها ألوان مبهجة وطاقة أمل عمري ما عرفت أرسمها قبل كده.
تليفوني رن، وكانت المحامية. أول ما فتحت الخط، سمعت صوتها وهي بتبشرني مبروك يا فنانة! الحكم صدر رسمي النهاردة. المحكمة حكمت على مارك وإلين بالسجن المشدد بتهم التزوير الشديد، ومحاولة الخطف، والاعتداء الجسدي، ده غير قضايا غسيل الأموال والتهرب الضريبي اللي لبسوها بسبب الشنطة. والطلاق للضرر اتم والوصاية الكاملة ليكي قانوناً.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة وانتصار. قفلت معها وبصيت لصور مارك وإلين اللي ماليين المجلات والجرائد تحت عنوان سقوط إمبراطورية العقارات، وحسيت إن العدالة حمتني وحمت ابني من عيلة مكنش في قلبها أي رحمة.
قمت وقفت جنب سرير ليو، وبصيت لملامحه الهادية اللي بدأت تكبر وتتغير. مكنتش خايفة من المستقبل، ولا حاسة بالوحدة اللي كانت بتخنقني زمان بعد ما أمي سابتني. عرفت إن ربنا أخد مني أم، بس عوضني بإن يخليني أم أقوى بكتير مما كنت أتخيل.
شيلت ليو براحة من سريره وشميت ريحته الجميلة اللي بقت ريحة بيتي وأماني، وهمست له خلاص يا حبيب عمر ماما، الحكاية القديمة اتقفلت للأبد.. والنهاردة بتبدأ حكايتنا إحنا وبس.
تمت