جوزها زقها ع البوتحاز حكايات صافي هاني
وعرق الرعب مغرق وشه. باتريشيا قعدت على الركبة في الأرض، فستانها الدهبي اتمهدل في النبيت واللحمة، وبقت تلم حتت الكاس المكسور وهي بتعيط بهيستيريا وتخربش في الأرض: "اسمنا.. برستيجنا في المجتمع ضاع! ضيعتنا يا دانيال!"
أما ريتشارد، فوقف مكانه في الصالة زي الصنم، التليفون وقع من إيده على السجادة، وصوت مذيع الأخبار في التلفزيون لسه شغال، بس المرة دي المذيع مكنش بيتكلم عن نشرة تسعة.. المذيع كان بيتكلم عن "فيديو صادم ومسرب لرجل أعمال معروف يعتدي على زوجته".
الباب اتخبط برزع عنيف هز الحوائط، وصوت عساكر البوليس برة كان بيهز المكان: "افتح الباب! معانا أمر ضبط وإحضار!"
دانيال لف وبصلي، وعينه كانت طالع منها شرار، قفش سكين المطبخ الكبيرة من على الرخامة وجرى عليا وهو بيصوت: "أنا هنهي حياتك قبل ما ياخدوني!"
في اللحظة دي بالظبط، الباب الخشب اتكسر ودخلوا عساكر وضباط البوليس، تلاتة منهم هجموا على دانيال، ثبتوه في الأرض، والسكينة اترمت بعيد. الكلبشات حديد اتكلبشت في إيده اللي كانت من دقيقة مكلبشة في معصمي.
الظابط قرب مني بكل احترام، وبص لإيدي المحروقة اللي كانت خلاص بتجيب دم ومتبهدلة: "إنتي كويسة يا فندم؟ الإسعاف برة وجاهزة تنقلك."
هزيت راسي ودموعي نازلة، بس
وقفت على رجلي، مشيت خطوتين وسط دمار المطبخ، وعديت من فوق دانيال وهو مكسور على الأرض، وبصيت له لآخر مرة وقلت له بصوت مسموع للكل:
"ميديوم رير يا دانيال.. أظن المرة دي الطبخة استوت على الآخر."
المسعفين دخلوا المطبخ بسرعة، واحد منهم مسك إيدي براحة وجاب شاش ومرهم حروق وبدأ يتعامل، والوجع كان لسه بيموت بس النبض اللي في إيدي كان بيفكرني إنني لسه عايشة.. وإنني كسبت.
وأنا خارجة من باب الفيلا وساندة على كف مسعف، شفت دانيال وهو بيركبوة بوكس البوليس، راسه كانت في الأرض، والكلبشات عامة علامة في إيده زي العلامات اللي سابها في جسمي سنين. ريتشارد وباتريشيا كانوا وراه، راكبين عربية تانية والمحامي بتاعهم على التليفون بيصوت وبيقولهم: "الموضوع قفل.. القضية بقت رأي عام والشركات بتسحب أسهمها!"
الصحفيين والمصورين كانوا ماليين الشارع برة، الفلاشات كانت بتنور ضلمة الليل، وكلهم بيحاولوا يلقطوا صورة لوشي أو لوش دانيال.
بعد تلات شهور...
كنت قاعدة في مكتب المحامي بتاعي، ماسكة قزازة مياه ساقعة بإيدي اللي سابت فيها الحروق
المحامي ابتسم وحط قدامي ورق الحكم: "مبروك يا مدام كلارا.. الطلاق للضرر ثبت، والفيلا والتعويض بقوا بتوعك بحكم محكمة، ودانيال أخد ٧ سنين سجن مشدد هو وأمه بتهمة الشروع في القتل والتستر وعدم تقديم مساعدة."
طلعت من مكتب المحامعي، الشمس كانت حامية بس مكنتش بتوجعني. ركبت عربيتي ورجعت الفيلا.. الفيلا اللي كانت سجن بقيت بتاعتي لوحدي.
دخلت المطبخ، كان نضيف وزي الفل، الرخامة اتمسحت، ومبقاش فيه أثر لا للحمة ولا للنبيت المدلوق. وقفت قدام البوتاجاز الزهر، بصيت عليه وابتسمت براحة.
مديت إيدي السليمة، فتحت درج المطبخ، وطلعت منه كيس بلاستر جروح صغير.. لزقته على الرخامة فوق الزرار المستخبي، وقولت لنفسي:
"المرة دي بقا.. مش محتاجة أداري أي جرح."
عدت سنة كاملة.
كنت قاعدة في جنينة الفيلا، بشرب قهوتي في هدوء مكنتش أحلم بيه زمان. إيدي المحروقة ملمسها مبقاش بيوجع، العلامة اللي سابتها النار على جلدي اتحولت للون أبيض هادي، وبقيت ببص لها كل يوم الصبح كأنه تاتوه مرسوم بيمثل تاريخ حريتي.
تليفوني رن، كان المحامي بتاعي.
"صباح الخير يا مدام كلارا، حبيت أبلغك إن الاستئناف بتاع دانيال اترفض والمحكمة
قفلت معاه وأنا حاسة بنسمة هوا باردة بتعدي على وشي. دانيال وباتريشيا وريتشارد بقوا مجرد أسماء في أرشيف القضايا، وعيلتهم اللي كانت بتهز السوق متبقاش منها حتى السيرة الطيبة.
دخلت المطبخ عشان أغسل فنجان القهوة. المطبخ اللي شهد عذابي، بقى المكان المفضّل ليا.. غيرت الديكور كله، دهنته بألوان فاتحة ومبهجة، وشيلت النجفة القديمة الغامقة اللي كانت بتشهد على دموعي.
حطيت الفنجان في الحوض، وبصيت بالصدفة على رخامة المطبخ.. لسه البلاستر الصغير لزقاه فوق الزرار المستخبي.
مفكرتش أشيله، ومفكرتش أهدم الرخامة العمولة دي.. سيبتها عشان تفكرني دايماً إن الست اللي دخلت البيت ده مكسورة وخايفة، خرجت منه وهي اللي كاتبة نهاية القصة بشروطها.
تليفوني رن تاني، بس المرة دي كانت رسالة من شركة المقاولات الجديدة اللي أسستها بفلوس التعويض: "يا فندم، وافقنا على مشروع تصميم المطبخ الجديد لأكبر كومباوند في القاهرة.. مستنيين إمضاءك."
ابتسمت، وفتحت ضلفة المطبخ عشان أخد شنطتي وأنزل أبدأ يومي. وأنا بقفل باب الفيلا ورايا، ملمستش القفل بخوف ولا اتلفت ورايا برعب.. مشيت في طريقي، والباب اتقفل وبقت حياتي