غموض حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أُجبرت الممرضة على تولّي الرعاية الطبية اللصيقة لشاب مشلول تماماً وملازم للفراش للحفاظ على وظيفتها ولكن في منتصف الفحص الروتيني، رأت شيئاً يتحرك كان يجب أن يكون مستحيلاً.
كانت إدارة المستشفى قد حذرتها مرتين بالفع
اشتكى المشرفون من أنها كانت تتفقد هاتفها دائماً أثناء المناوبات، وفقد رئيس الأطباء صبره أخيرًا.
قال لها ببرود لا تهمني أعذارك، إما أن تلتزمي بجدول الرعاية الصارم للمرضى دون تقصير، أو تقدمي استقالتك.
أرادت أن تصرخ في وجهه بأن ابنتها الصغيرة في العناية المركزة.
أن كل اهتزاز من هاتفها كان يرعبها خوفاً من سماع خبر سيء.
أنها كانت تحاول فقط الإمساك بحياتها المتداعية بكلتا يديها.
بلعت غصّة الذل وقبلت بإعادة التكليف الشاق.
مريضها الأول كان شاباً غائباً عن الحركة منذ سنوات؛ جسده متصلب تماماً بفعل الشلل، لا يتحرك فيه سوى عينيه ورقبته.
دخلت غرفته الهادئة والمظلمة لتبدأ فحص علاماته الحيوية الروتينية وتغيير المحاليل. ساد الصمت التام في الأرجاء؛ لا صوت لتلفاز، ولا مجال للمحادثة، فقط صوت جهاز مراقبة نبضات القلب المنتظم في الخلفية.
في البداية، بالكاد نظر إليها الشاب.
لكن أثناء قيامها بضبط أجهزة القياس وتفقد استجابة أطرافه، لاحظت شيئاً غريباً.
في كل مرة تقترب فيها يدها من بقعة معينة بالقرب من ذراعه...
تتسع عيناه بذكاء حاد ومفاجئ.
كأنه كان يحاول يائساً تحذيرها من شيء ما، أو الإشارة إلى أمر يخص الأجهزة

المتصلة به.
تجمدت في مكانها لثوانٍ، أنفاسها تسارعت وهي تتطلع إلى عينيه المثبتتين عليها بلَهْفَة.
ثم فجأة 
شعرت بحركة مباغتة تحت غطاء الفراش.
شيء ما تحرك بقوة وثبات.
تراجعت الممرضة خطوة إلى الوراء شهقة من الصدمة، وكاد قلبها أن يتوقف من المفاجأة والتوجس.
لأنه كان من المفترض أن يكون الشاب مشلولاً بالكامل ولا أمل في شفائه.
ومع ذلك...
لقد رأيت الغطاء يتحرك، وشعرت بضغط حقيقي يصدر من جهة يده المحبوسة تحت القماش.
يا إلهي... همست وهي تحدق فيه بذهول، هذا مستحيل...
لكن الجزء الأكثر رعباً وتشويقاً جاء بعد ثوانٍ معدودة...
عندما نظر الشاب إلى عينيها مباشرة، وحرك شفتيه ببطء ليصيغ صامتاً كلمتين مرعبتين لن تنساهما طوال حياتها.
تحركت شفتا الشاب ببطء شديد، وكأنه يستهلك آخر ذرة طاقة في جسده ليخرج الحروف دون صوت، لكن الكلمتين كانتا واضحتين تماماً لعين الممرضة المذهولة
اهربي... الآن.
تجمدت الدماء في عروقها. التفتت بغريزتها نحو باب الغرفة شبه المغلق، ثم أعادت نظرها إلى جهاز مراقبة النبض. المؤشرات كانت طبيعية، لكن نظرات الشاب كانت تصرخ برعب حقيقي، وعيناه تشيران بإلحاح نحو زاوية الغرفة المظلمة، خلف الستار الفاصل.
في تلك اللحظة، سمعت طقطقة خفيفة.
لم تكن الغرفة خالية تماماً كما ظنت.
وقبل أن تتمكن من استيعاب ما يحدث، انطفأت شاشة جهاز النبض فجأة، وحلّ صمت مريب، لتبدأ ظلال مرعبة في التحرك من خلف الستار نحو فراش الشاب
المشلول...
حبست أنفاسها وهي ترى الظل يتقدم ببطء، مستفيداً من عتمة الغرفة الموحشة. تراجعت خطوة أخرى للخلف حتى ارتطم ظهرها بطاولة الأدوية المعدنية، لتحدث رنينًا خفيفاً في الصمت القاتل.
من خلف الستار، ظهر ممرض آخر من طاقم النوبة الليلية، كان يمسك في يده حقنة ممتلئة بسائل شفاف، وملامحه خالية تماماً من أي تعبير.
نظر إليها ببرود وقال بنبرة هادئة ومريبة ما زلتِ هنا؟ اعتقدتُ أنكِ أنهيتِ فحصكِ الروتيني.
نظرت الممرضة إلى الشاب المشلول، فرأت عيناه تفيضان برعب غير مسبوق، وكأنه يرجوها ألا تتركه. في تلك اللحظة، ربطت بين كل الخيوط الشلل المفاجئ الذي ثبتت إصابته به، وتحذيره الصامت، وهذه الحقنة المريبة. الشاب لم يكن مشلولاً بعيب طبيعي... بل كان يتم تخديره وإبقاؤه عاجزاً عمداً!
أنا... نعم، كنتُ على وشك المغادرة، قالتها بصوت مرتعش تحاول جاهدة ضبطه وهي تتحرك ببطء نحو المخرج.
لكن الممرض خطى خطوة سريعة ليقطع طريقها، وابتسامة باردة غريبة ترتسم على وجهه رئيس الأطباء شدد على ألا يزعج أحد هذا المريض بالذات... خصوصاً أنتِ وهاتفكِ الذي لا يتوقف عن الرنين.
أدركت في ثانية واحدة أن حياتها وحياة هذا الشاب في خطر، وأن إدارة المستشفى بأكملها قد تكون متورطة في شيء مظلم للغاية. اهتز هاتفها في جيبها في تلك اللحظة بالذات... وكان عليها أن تتخذ القرار فوراً.
أمسكت هاتفها داخل جيبها وضغطت على زر تشغيل الكاميرا وتسجيل الصوت عبر الأزرار
الجانبية اختصاراً للوقت، وهي تدعو الله ألا يخذلها حدسها.
نظرت إلى الممرض بثبات مصطنع وقالت أنا ذاهبة بالفعل، لكن قبل أن أخرج... تأكد من مراجعة جرعة هذا المحلول، لأنني سجلت كل شيء في تقرير الحالة الرقمي منذ دقيقة، والإدارة تتابع التحديثات مباشرة من هاتفي.
كانت هذه كذبة ذكية لتكسب بها بعض الوقت وتحمي نفسها. تراجع الممرض خطوة إلى الوراء، وتغيرت ملامحه الباردة إلى القلق، حيث نظر إلى الحقنة التي بيده ثم إلى الهاتف في جيبها.
استغلت الممرضة هذه اللحظة من التردد، وتحركت بسرعة فائقة نحو الباب، وخرجت إلى الممر المضيء للمستشفى والتقطت أنفاسها وهي تركض نحو مكتب الأمن، مدركة أن هاتفها الذي كان سبباً في تهديد وظيفتها قد يصبح الآن وسيلتها الوحيدة لإنقاذ حياتها وحياة ذلك الشاب، وكشف المؤامرة المخيفة التي تحدث خلف الأبواب المغلقة.
ركضت في الممرات الطويلة وهي تسمع وقع خطوات سريعة تقترب خلفها. لم تلتفت؛ كانت دقات قلبها تتسارع مع كل خطوة، وصورة عيني الشاب المستغيثة لا تفارق مخيلتها.
وصلت إلى مكتب الأمن وهي تلهث، ودفعته بقوة أرجوكم! هناك خطب ما في الغرفة 404... الممرض يحاول...
قاطعها حارس الأمن العجوز بنظرة مستغربة وهو يشير إلى شاشة المراقبة اهدئي يا آنسة، الغرفة هادئة تماماً، انظري.
التفتت نحو الشاشة، وتجمدت مكانها. كان الممرض يقف بكل هدوء بجانب فراش الشاب، يعدل المحاليل الطبية بطبيعية شديدة، بل إنه التفت نحو الكاميرا
وابتسم بثقة، وكأنه يعلم أنها تراقبه. والأدهى
تم نسخ الرابط