غموض حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

من ذلك، أن رئيس الأطباء كان يقف بجانبه ويوقع على بعض الأوراق.
هذا مستحيل... لقد كان يحاول تخديره عمداً! والشاب تحرك! صرخت بنبرة يائسة.
في تلك اللحظة، رنّ هاتفها في يدها. لم تكن رسالة من المشفى بشأن ابنتها هذه المرة، بل كان إشعاراً غريباً من بريد إلكتروني مجهول. فتحت الرسالة بسرعة وهي ترتجف، لتجد مقطع فيديو قصيراً تم تصويره قبل ثوانٍ معدودة من داخل الغرفة.
كان المقطع يظهر رئيس الأطباء وهو يهمس للممرض لقد كشفتنا... تخلص من الملفات فوراً ونفذ الخطة ب.
وفي أسفل الرسالة، كُتبت جملة واحدة من نفس الحساب المجهول
أنا لستُ مشلولاً، أنا مهندس البرمجيات الذي اخترع نظام حماية المستشفى... وهم يحاولون سرقتي. الهاتف الذي في يدكِ الآن هو طوق نجاتنا الوحيد... لا تثقي بأحد هنا.
اتسعت عيناها ذهولاً وهي تقرأ الكلمات. نظرت إلى حارس الأمن الجالس أمامها، فلاحظت فجأة أنه لم يكن ينظر إلى الشاشة، بل كان يتابع تعبيرات وجهها بترقب مريب، ويده تتحرك ببطء نحو جهاز اللاسلكي المثبت على حزامه.
أدركت في أجزاء من الثانية أن شبكة الفساد في هذا المكان أكبر بكثير مما تخيلت.
هل هناك مشكلة يا آنسة؟ سألها الحارس بنبرة غلب عليها الجفاف، وهو يقف من مقعده.
لا... لا شيء، يبدو أنني توترت بسبب ضغط العمل وابنتي المريضة، قالتها وهي تراجع خطوتين للخلف، محاولة إخفاء شاشة الهاتف. ثم التفتت بسرعة وخرجت
من مكتب الأمن قبل أن يوقفها.
لم يعد بإمكانها الخروج من الباب الرئيسي للمستشفى، فبالتأكيد هناك أمر بالقبض عليها. تحركت نحو سلالم الطوارئ الخلفية، وفي نفس الوقت، اهتز هاتفها مرة أخرى برسالة جديدة من المهندس الأسير
رئيس الأطباء أصدر أمراً بإغلاق المشفى بحجة وجود تلوث بيولوجي لمنعكِ من الخروج. هم يبحثون عنكِ الآن. اسمعيني جيداً... في نهاية ممر الطوارئ بالطابق السفلي، هناك لوحة التحكم الرئيسية للنظام. صلي هاتفكِ بمنفذ USB الخاص بها، وسأتولى أنا الباقي من هنا لفتح الأبواب وكشفهم للشرطة.
في تلك اللحظة، دوّت صفارات الإنذار في أرجاء المستشفى بالكامل، وأغُلقت الأبواب الإلكترونية الثقيلة تلقائياً، ليتحول المكان إلى سجن مغلق. ساد الذعر بين الطاقم الطبي، بينما انطلقت خطوات ثقيلة وسريعة لرجال الأمن وهم يهبطون السلالم خلفها مباشرة.
حبست أنفاسها، واندفعت لتهبط إلى الطابق السفلي المظلم، وهي تعلم أن مصيرها ومصير هذا الشاب، وحياة ابنتها التي تنتظرها في الخارج، يتوقف كله على ثوانٍ معدودة قبل أن يعثروا عليها.
اندفعت عبر الممر المظلم للطابق السفلي، وصوت خطوات رجال الأمن يتردد خلفها بعنف على الدرج الإسمنتي. كانت تلهث، وعرق الخوف يتصبب من جبينها، لكن صورة ابنتها كانت الدافع الوحيد الذي يمنع ساقيها من الانهيار.
وصلت إلى نهاية الممر حيث تقبع لوحة التحكم الرئيسية؛ دولاب معدني
ضخم يعج بالأسلاك والمصابيح الومّاضة. فتحت الباب الحديدي للوحة بيدين ترتجفان، وراحت تبحث بعينيها في عتمة الغرفة عن المنفذ المطلوب.
هناك! همست بارتياح وهي تلمح منفذ ال USB الصغير في زاوية اللوحة.
أخرجت كابل الشاحن من جيبها، ووصلت هاتفها باللوحة. في تلك الثواني، أضاءت شاشة الهاتف وظهر شريط تحميل سريع باللون الأزرق، وفوقه رسالة خاطفة من المهندس ثوانٍ معدودة... جاري اختراق النظام وفك تشفير ملفاتهم وبثها للجهات الأمنية.
توقفي مكانكِ ولا تتحركي!
دوّى الصوت الأجش في الممر الضيق. التفتت بذعر لتجد رئيس الأطباء والممرض، ومعهما حارسا أمن، يحيطون بها من كل جانب. كان رئيس الأطباء يبتسم ابتسامة خبيثة تملؤها الثقة، وبيده حقنة أخرى جاهزة.
قال بنبرة حادة انتهت اللعبة أيتها الممرضة الفضولية. هاتفكِ لن ينقذكِ الآن، وسينتهي بكِ الأمر كزميلكِ في الأعلى... شلل كامل إثر حادث مفاجئ.
تراجعت بظهرها نحو اللوحة، وجسدها ينتفض، لكنها نظرت إلى شاشة الهاتف المحمية بجسدها؛ شريط التحميل وصل إلى 99.
لماذا تفعلون هذا؟ سألت بصرخ لتكسب ثوانٍ إضافية، إنه مريض لا حول له ولا قوة!
ضحك رئيس الأطباء باستهزاء إنه يمتلك شفرة برمجية بمليارات الدولارات، ورفض بيعها لنا. والآن، ابتعدي عن اللوحة.
أشار لرجال الأمن بالتقدم، وتحركوا نحوها بالفعل للإمساك بها... وفي تلك اللحظة الحاسمة، أصدر الهاتف نغمة رنين
قصيرة، وتحولت الشاشة بالكامل إلى اللون الأخضر.
فجأة، انقطعت أضواء المستشفى للحظة، ثم اشتغلت إضاءة الطوارئ الحمراء، ودوّت مكبرات الصوت في المشفى بأكمله بصوت المهندس المشلول، ولكن هذه المرة ليس صامتاً، بل كان تسجيلاً صوتياً واضحاً ومدمجاً بملفات الفيديو الفاضحة لرئيس الأطباء وهو يعترف بجريمته، يبث مباشرة إلى مراكز الشرطة والرأي العام.
وفي نفس الوقت، سُمع صوت صفارات إنذار قوية تقترب من الخارج... صفارات سيارات الشرطة التي حاصرت المستشفى في ثوانٍ.
تراجع رجال الأمن بذعر، وتساقطت الحقنة من يد الممرض، بينما انهار رئيس الأطباء على ركبتيه مدركاً أن إمبراطوريته المظلمة سقطت تماماً بالهاتف الذي كان يستخف به.
بعد مرور ساعة، كانت الممرضة تقف في باحة المستشفى المضيئة بأنوار سيارات الشرطة، وتتنفس الصعداء وهي ترى رجال الأمن يقتادون رئيس الأطباء وعصابته مكبلين بالأصفاد.
اقترب منها أحد الضباط وسلمها هاتفها بامتنان لقد أنقذتِ حياة رجل، وكشفتِ أكبر شبكة فساد طبي. ولقد تم تأمين نقل ابنتكِ إلى أفضل مستشفى حكومي على نفقة الدولة كتكريم لشجاعتكِ.
نظرت إلى الهاتف، ثم رفعت رأسها نحو نافذة الغرفة 404... ورأت من بعيد خيال الشاب جالساً على سريره بعد أن بدأت آثار المخدر تزول عن جسده، وهو يومئ لها برأسه مبتسماً شاکراً، لتدرك أن هاتفها الذي كان يهدد وظيفتها، قد أنقذ حياتها وحياة الآخرين،
وأعاد لها ابنتها سالمة.

تم نسخ الرابط