ضرب الجنايني حكايات صافي هاني
الصالة الرئيسية في القصر كانت واسعة وشرحة، كلها حرير أبيض وسقوف عالية، وريحة آلاف الورد الأبيض مالية المكان. فجأة، الفخامة دي كلها اتهزت لما السيد الصغير، اللي كان لابس بدلة بيج غالية ومفيش فيها غلطة، اندفع لقدام وزق الجنايني العجوز بكل غشم. الراجل العجوز اتهز ووقع على الأرض الرخام، وبوكيه الورد الأبيض اللي في إيده اتبعثر واتغرق في الأرض وبقى عبارة عن ورق وشجر متبهدل.
السيد الصغير بص له بغل وبقرف، ووشه كله غضب وتكبر وزعق بصوت هز السقوف العالية: "إياك تلمس أي حاجة في البيت ده تاني!". العروسة، اللي كانت واقفة قريب، حطت إيدها على بقها عشان تداري ضحكة شماتة وسخرية، وعينيها كانت بتلمع باحتقار والضيوف التانيين بدأوا يتريقوا معاها. وقالت بنبرة فيها لؤم: "ده مجرد جنايني عجوز!". الراجل العجوز ما نطقش ولا بكلمة؛ كل اللي عمله إنه مد إيده اللي كانت متبهدلة طين، ولم الكسر بتاع ساق وردة واحدة براحة خالص، وملامحه كانت هادية، وحزينة، وفيها ثبات غريب يقلق.
هدوء القاعة انكسر فجأة بصوت خبط جزم جلد على الرخام. الأبواب الكبيرة اتفتحت، ودخل محامي لابس بدلة سوداء شيك، ومعاه حارسين شخصيين جسمهم ضخم. الضيوف سكتوا تماماً في ثانية. المحامي مابصش أصلاً للسيد الصغير؛
الجو في القصر كله اتجمد.
الراجل العجوز بدأ يقف ببطء، وجسمه اتفرد وهو بينفض التراب من على قميصه الرمادي. نظرة الاستسلام اللي كانت في عينيه اختفت تماماً، وظهرت مكانها نظرة حاسمة وفيها سلطة مرعبة خلت المكان فجأة يحسسك بالخنق. بص للسيد الصغير، اللي وشه الدم هرب منه وبقى أصفر ومخطوف من الصدمة.
الراجل العجوز قال بصوت واطي ومحمل بالهيبة، لدرجة إن نبرته هزت حيطان المكان: "البيت ده... عمره ما كان ملكك أصلاً".
السيد الصغير وقف في مكانه مشلول، وكل كبريائه اتمسح واتحول لرعب حقيقي وصافي بعد ما فهم الحقيقة وعرف إنه مبقاش حيلته حاجة.
الحراس اتقدموا ومسكوهم من إيديهم بكل غشم، العروسة بدأت تصرخ وفستانها الأبيض الطويل بيتكعبل في الرخام، والسيد الصغير كان بيترجى المحامي وصوته رايح خالص: "أرجوك.. طب ليلة واحدة بس.. نجمع حاجتنا!".
المحامي مابصش وراه أصلاً، وشاور للحراس يخلصوا. الحراس سحلوهم على برة وسط نظرات الخدم والشغالين اللي كانوا واقفين يتفرجوا وشمتانين فيهم، لأنهم ياما شافوا منهم ظلم وقسوة. أول ما وصلوا لباب القصر البراني، الحراس رموهم برة على الأسفلت وقفلوا
الدنيا برة كانت ضلمة وكحل، والمطر بدأ ينزل خفيف. السيد الصغير قعد على الرصيف وبدلتة البيج الغالية اتبهدلت بالطين، وبقى حاطط راسه بين إيديه وبيعيط زي الأطفال، والعروسة قاعدة جنبه بتولول ومصدومة من الفقر المفاجئ اللي بقوا فيه.
جوه القصر، الأجواء رجعت هادية وصافية تاني. الراجل العجوز وطى على الأرض براحة، ولم بقية الورد الأبيض اللي كان متبهدل، وحطه في إيد المحامي وقال له بابتسامة صافية: "نظفوا القاعة دي، واطردوا أي حد كان جاي يشمت.. القصر ده من اليوم وطالع مش هيدخله غير الناس النضيفة من جوة".
المحامي انحنى وقال: "أمرك يا فندم". الراجل العجوز مشى بخطوات ثابتة وواثقة وطلع على مكتبه فوق، وهو حاسس برضا تام إن الحق رجع لأصحابه، وإن الورد اللي في جنينته عمر ما حد هيتجبر عليه تاني.
بعد ما الراجل العجوز طلع مكتبه، قعد على كرسيه الجلد المريح وبص من الشباك الكبير اللي كاشف الجنينة وبوابة القصر. شاف من بعيد السيد الصغير والعروسة وهم ماشيين في الضلمة تحت المطر، فستانها اتبهدل وبدلتُه اتملت طين، ومفيش في إيديهم أي حاجة ولا حتى تمن مواصلة تروحهم.
المحامي خبط على الباب ودخل
الراجل العجوز هز رأسه بوقار، وأخد نفس طويل وقال: "عارف يا متر.. أنا مكنش يهمني الفلوس ولا القصر، أنا كنت سايبهم عايشين ومنعمين عشان قولت يمكن يطمر فيهم، ويمكن الغنى يخليهم بني آدمين ويداووا النقص اللي جواهم. لكن لما يوصل بيهم الأمر يذلوا الناس الغلبانة ويدوسوا على كرامة الشغالين اللي في البيت، يبقى كان لازم يفوقوا على كابوس".
المحامي ابتسم وقال: "الدرس كان قاسي يا فندم، بس هما اللي اختاروا النهاية دي بغرورهم".
الراجل العجوز قام وقف وراح ناحية الشباك، وبص للورد الأبيض اللي في الجنينة وهو بيلع تحت نور كشافات القصر والمطر بيغسله، وقال براحة ونبرة كلها رضا: "بكرة الصبح، اجمعلي كل العمال والشغالين اللي في القصر.. الناس دي اتظلمت كتير واستحملت قرفهم. من بكرة، كل واحد فيهم ليه مكافأة كبيرة، والمرتبات هتتضاعف. البيت ده لازم يرجع فيه الخير والبركة من تاني".
المحامي انحنى وقال: "حاضر يا فندم، الصبح كله