ضرب الجنايني حكايات صافي هاني
ومع قفلة الباب، القصر رجع له هدوءه وأمانه، والراجل العجوز ابتسم وهو عارف إن العدالة لما بتيجي، مابتسيبش وراها غير الأرض النضيفة والقلوب المرتاحة.
ثاني يوم الصبح، الشمس طلعت ناصعة ونورها مالي الجنينة، والمطر بتاع بالليل كان غسل الورد الأبيض وخلاه بيلمع وزي الفل.
كل عمال القصر، من أول الجناينية والشغالين لحد الطباخين والأمن، اتجمعوا في الصالة الرئيسية الكبيرة وهم قلقانين ومش فاهمين إيه اللي هيحصل بعد ليلة بالليل دي. فجأة، نزل الراجل العجوز من على السلم، بس المرة دي مكنش لابس القميص الرمادي المتبهدل؛ كان لابس بدلة كحلي شيك جداً ووقاره هاز المكان، وجنبه المحامي.
الكل وقفوا في صمت وخوف، فـ الراجل العجوز ابتسم وقالهم بصوت دافي: "يا جماعة، أنا جمعتكم هنا عشان أعتذر لكم بالنيابة عن كل يوم قسوة أو إهانة شفتوها في البيت ده. من النهاردة، مفيش سيد وخادم بالمعنى القديم.. البيت ده بيتكم، وأي حد فيكم اتعرض لظلم، حقه هيرجع له وزيادة".
المحامي بدأ يوزع عليهم أظرف مقفولة، الراجل العجوز كمل كلامه: "دي مكافأة من الصندوق الخاص بتاعي، ومرتباتكم من الشهر ده هتزيد للضعف، واليومين دول إجازة مدفوعة الأجر للكل عشان ترتاحوا وتنبسطوا مع أهاليكم".
العمال مكنوش مصدقين نفسهم، الدموع لمعت في عينين ناس كتير منهم، وبدأوا يدعوا له من قلبهم.
في نفس الوقت ده، بعيد عن القصر في حي شعبي بسيط، كان السيد الصغير واقف قدام دكانة صغيرة وهو لابس قميص مستلف وساعته الغالية اتمسكت
الراجل العجوز بص للعمال وهم فرحانين وبيسلموا عليه، وبص للورد الأبيض اللي مالي المكان، وعرف إن القصر ده أخيراً بقى فيه روح، وإن الورد مش بس شكله حلو، ده بقى ليه ريحة طيبة بجد.
العمال بدؤوا يمشوا وهم مش سايعين من الفرحة، وبيدعوا للراجل العجوز بصوت عالي ملا أركان القصر بهجة وخير لأول مرة من سنين.
الراجل العجوز التفت للمحامي وقاله: "يا متر، عايزك تجهزلي ورق رسمي بتخصيص جزء من أرباح الشركات السنوية وتتوزع بالتساوي على كل العمال والموظفين الغلابة اللي شغالين معايا.. الفلوس دي هما أولى بيها، وهي اللي هتبارك في الباقي".
المحامي انحنى بتقدير شديد وقال: "حاضر يا فندم، كله هيبقى جاهز على مكتبك قبل آخر النهار".
الراجل العجوز سابه وخرج برة في الجنينة، الهوا كان نقي والجو هادي وجميل. مشي براحة لحد ما وصل لأحواض الورد الأبيض اللي كانت سبب في كل اللي حصل بالليل. وطى على الأرض، ومسك مقص الجنينة وبدأ يقلم الشجر ويهتم بالورد بنفسه وبكل حب، كأنه بيرجع لأصله وأكتر حاجة بيرتاح فيها.
وهو شغال، لمح عصفور صغير نزل على غصن الورد وبدأ يزقزق، فابتسم الراجل العجوز من قلبه وحس براحة نفسية مفيش بعد كده. القصر مابقاش مجرد حيطان وضلمة وفشخرة كدابة، القصر بقى مليان روح، ودفا، وعدالة.
ومن اليوم ده، كل اللي في المكان
فاتت الأيام، والقصر حاله اتقلب 180 درجة. مابقاش المكان الكئيب اللي كل اللي فيه خايفين ومرعوبين، بالعكس، بقى مليان دفا وضحك، والخدم والشغالين بقوا يشتغلوا بحب وأمانة كأنهم في بيوتهم وأكتر.
في يوم، والراجل العجوز قاعد في الجنينة بيشرب شاي وبيمتع عينه بمنظر الورد الأبيض اللي فتح وبقى مالي المكان، دخل عليه رئيس أمن البوابة الخارجية، ووشه باين عليه التردد.
الراجل العجوز لاحظ قلقه، فنزل كوباية الشاي وقال له بهدوء: "في إيه يا عم غريب؟ مالك واقف محتار ليه؟"
رئيس الأمن بلع ريقه وقال: "يا فندم.. السيد الصغير واقف على البوابة برة بقاله ساعتين. شكله يقطع القلب، الهدوم متبهدلة ووشه مطفي، وطالب بس يسمع صوتك أو يطلب السماح. الحراس كانوا هيطردوه، بس أنا قولت أبلغ حضرتك الأول".
الراجل العجوز سكت لثواني، ونظرته راحت لبعيد وهو بيفتكر كل اللي حصل. المحامي اللي كان قاعد جنبه براجع ملفات، بص للراجل العجوز وقال: "لو تحب يا فندم أطلب له الشرطة تبعده عن المكان خالص؟"
الراجل العجوز رفع إيده عشان يهديه، وأخد نفس طويل وقال: "لأ يا متر.. خليه يدخل".
بعد كام دقيقة، دخل السيد الصغير.. بس مكنش فيه أي حاجة من "السيد الصغير" بتاع زمان. كان ماشي وراسه في الأرض، كأنه شايل جبال على كتافه، وبدلته البيج القديمة كانت
قال بصوت متقطع ومنهار: "أنا أسف.. أنا أسف يا جدي.. الدنيا لفت بيا ودست عليا وعرفت قيمتي بجد. أنا مكنتش شايف غير نفسي، والكسرة اللي شفتها الأيام اللي فاتت علمتني إن اللقمة اللي كنت ببطر عليها دي نعمة كبيرة.. أنا مش طمعان في قصر ولا فلوس، أنا بس عايزك تسامحني وتديني فرصة أشتغل هنا.. لو حتى جنايني تحت إيدك، بس ترفع عني الذنب".
الراجل العجوز بص له بنظرة طويلة، مكنش فيها غل ولا شماتة، كان فيها حزن الأب على ابنه اللي تاه ورجع.
وطى عليه، ومسكه من كتافه وقومه وقفه على رجله، وقال له بصوت حنين بس حاسم: "يا ابني، أنا مطردتكمش عشان أنتقم منكم، أنا طردتكم عشان الدنيا تربيكم، لأن اللي أهله ميربوهوش على احترام الغلبان، الأيام هي اللي بتربيه. دموعك دي لو حقيقية، تبقى دي أول خطوة عشان تبقى بني آدم بجد".
التفت للمحامي وقال: "يا متر.. هتوفر له شقة بسيطة قريبة من المصنع، وهيشتغل من بكرة في المخازن كعامل زي أي عامل، بمرتب عادي يكفيه بالعافية. لو أثبت نفسه، واتعلم يشقى، واكتسب احترام الناس بعرقه.. ساعتها لكل حادث حديث".
السيد الصغير دموعه نزلت بس المرة دي كانت دموع راحة، وباس إيد الراجل العجوز وهو مش مصدق إن جاله طوق نجاة.
الراجل العجوز ابتسم وبص للورد وقال: "الورد عشان يطلع صح، ساعات لازم نقطع منه الشجر الميت وننضف الجذور من الطين.. روح يا ابني، وابدأ من الصفر،