اهلي وقفوا قصادي في المحكمه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الفلوس دي فلوسنا، والبدلة دي، والشركة، وكل حاجة حيلتنا هتروح بسبب الورق الوسخ اللي جيبتيه ده!
بصيتله من فوق لتحت ببرود تام، وميلت راسي وأنا مبتسمة ابتسامة خفيفة البدلة الماركة دي يا جوليان؟ متقلقش، المحضر وهو جاي يحجز على ممتلكاتك عشان تسددوا الديون والفلوس اللي سرقتوها، غالباً هياخد البدلة دي كمان معاه.
أمي صرخت وهي بتبصلي بقلة حيلة يا بنتي حرام عليكي! احنا ملناش غيرك، هترمي أمك وأخوكي في السجن؟
أنا مرمتكمش في حتة يا مدام إليانور، رديت عليها بنبرة هادية جداً زلزلتها. أنا كل اللي عملته إني قدمت الحقيقة.. إنتوا اللي اخترتوا طريقكم لما خبيتوا جوابات منحي، ولما سرقتوا ورثي، ولما افتكرتوا إن الطيبة والسكوت غباء. إنتوا اللي دمرتوا نفسكم بنفسكم.
لفيت ضهري ومشيت وأنا سامعة صوت جوليان وهو بيشتم ويزعق، وأمن المحكمة بيحذره إنه هيحبسه بتهمة الشغب لو ملمش نفسه.
نزلت على سلم المحكمة، والشمس كانت طالعة قوية ومالية المكان. طلعت موبايلي ومسحت أرقامهم هما الاتنين، وعملت بلوك لكل خيط كان بيربطني بالماضي بتاعهم.
حطيت الدوسيه الجلد تحت دراعي، وركبت أول تاكسي قابلني. وأنا بتبص على الشوارع من الشباك، حسيت لأول مرة من سنين إن كتفي خفيف، وإن السكوت اللي عاش معايا طول العمر، أخيراً نطق وجابلي حقي تالت ومتلت.
التاكسي مشي بيا وسط زحمة شوارع
القاهرة، والدنيا برة كانت بتتحرك بسرعة وكأن مفيش حاجة حصلت، بس جوايا كان فيه هدوء غريب عمري ما حسيته قبل كده. تليفوني بدأ يرن.. وبصيت على الشاشة لقيت رقم المحامي بتاعهم، وبعده رقم خالتي اللي مكنتش بتفتكرني غير في المصايب. قفلت الصوت خالص وقلبت الشاشة.
نزلت قدام الكافيه الصغير اللي متعودة أقعد فيه على النيل. قعدت على ترابيزة في الركن، وطلبت فنجان قهوة مظبوط. ريحة القهوة وهوا النيل خلوني أبتسم بجد ولأول مرة من قلب المحكمة.
فتحت اللاب توب بتاعي، وجالي إيميل من إدارة منحة فانغارد.. الإيميل كان بيباركلي على قبول مشروعي الجديد كمسؤولة استشارية قانونية للمؤسسة في الشرق الأوسط، بمرتب وتأمين ومكانة هما عمرهم ما كانوا يتخيلوا إني ممكن أوصل لربعها.
وأنا بقرا الإيميل، حسيت إن ربنا طبطب على قلبي وعوضني عن كل ليلة نمت فيها وعياطي كاتماه في المخدة عشان مسمعش حد منهم كلمة تجرحني.
لمحت من بعيد في التلفزيون بتاع الكافيه شريط الأخبار اللي بيعرض القضايا الاقتصادية وقضايا التزوير، وافتكرت منظر جوليان وهو بيترعش قدام القاضي. هما دلوقتي غالباً في النيابة بيتحقق معاهم، وبيحاولوا يلاقوا كفالة أو مخرج من الورطة اللي حطوا نفسهم فيها.. بس المرة دي الحبل اتقطع، ومفيش حد هينقذهم من الحفرة اللي حفروها ليا ووقعوا فيها.
شربت آخر بوق في قهوتي، قفلت
اللاب توب، وقمت وقفت وأنا كلي ثقة. الحكاية مكنتش حكاية فلوس ولا ورث ضاع ورجع.. الحكاية كانت حكاية كرامة، وبنت قررت في لحظة إنها متسمحش لأي حد، حتى لو كان من دمها، إنه يكسرها تاني.
أنا فيكتوريا اوزنز.. والنهاردة بدأت حياتي بجد عدى شهر على يوم الجلسة، شهر كامل كأنه سنة من كتر التغيير اللي حصل في حياتي.
المحامي بتاعي كلمني الصبح وبلغني إن الحكم بقى نهائي؛ الحجز اتنفذ على كل حاجة، الفيلا والشركة وحسابات البنوك، وجوليان وأمي مابقاش حيلتهم حرفياً ولا مليم، ده غير القضية الجنائية اللي لسة شغالة فوق دماغهم بسبب التزوير، والاتنين دلوقتي قاعدين في شقة إيجار قديمة وصغيرة في أطراف المدينة، بيحاولوا يلموا قرشين عشان يدفعوا مصاريف المحامين اللي مابقتش راضية تتابع قضيتهم ببلاش.
قفلت مع المحامي وأنا حاسة بنوع من السلام الداخلي، مش شماتة، بس عدل ربنا دايما بيبقى مريح.
كنت واقفة في المطار، ماسكة باسبوري وشنطتي في إيدي، ومستنية نداء الطيارة بتاعتي المتجهة للندن عشان أستلم منصبي الجديد في المقر الرئيسي لمؤسسة فانغارد. وأنا واقفة وسط زحمة المسافرين، لمحت شاشة تليفوني بتنور برقم غريب.
ترددت ثانية، بس رديت.
فيكتوريا؟ الصوت كان مخنوق ومكسور، ومكنتش قادرة أصدق إن ده صوت جوليان.. فين النبرة العالية والغرور والضحكة الصفرا؟
عايز إيه يا جوليان؟
رديت بنبرة هادية بس ناشفة.
أمي تعبانة يا فيكتوريا.. تعبانة أوي ومش معانا حق الدكاترة ولا العلاج. احنا بنتبهدل، والناس اللي كنا بنتشيرف بيهم مابقوش بيردوا علينا. أرجوكي.. احنا غلطنا في حقك، بس احنا أهلك برضه، متسيبناش نموت من الجوع.
سكتت لحظة، وبصيت على الناس اللي حواليا في المطار، وافتكرت نفسي لما كنت بنام عيانة ومحدش فيهم بيفكر يشتريلي علبة دوا، وافتكرت لما كانوا بياكلوا أحسن أكل وأنا مكنش بيبقى معايا ثمن مواصلات الجامعة.
أنا مسبتكمش تموتوا يا جوليان، قلتها بكل برود وثبات. أنا سيبتكم لعدالة القانون اللي إنتوا اخترتوا تكسروه. الفلوس اللي معاكم في الشقة دي تكفي علاج وأكل وزيادة لو بطلتوا تدوّروا على المظاهر الكدابة وتبعتوا للمحامين الكبار. عيشوا على قدكم، واحمدوا ربنا إنكم لسة برة السجن.
فيكتوريا، أرجوكي...
المكالمة دي هي آخر حاجة هتربطني بيكم يا جوليان. زمان إنتوا خبيتو عني مستقبلي، والنهاردة أنا رايحة للمستقبل ده ورجلي فوق رقابكم كلكم. سلام.
قفلت السكة في وشه، وشيلت خط التليفون كله من الموبايل ورميته في أقرب سلة زبالة قدامي.
في اللحظة دي، صوت المايك اشتغل يعلن عن فتح باب الصعود لطيارتي. أخدت نفسي طويل، وابتسمت ابتسامة صافية من قلبي، ومشيت بخطوات واسعة وواثقة ناحية البوابة.
الماضي بكل قرفه وظلمه مات واتدفن في قاعة
المحكمة.. ودلوقتي، السما هي حدودي.

تم نسخ الرابط