اتجوزت ست كبيره حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

باصص لها على إنها بنك، وهي كانت باصة لي على إني بني آدم ضايع ومحتاج اللي يمدله إيده. هي مكنتش بتشتري سكوتي، هي كانت بتشتري لي مستقبلي.
عدت سنة كاملة على اليوم ده.
المبلغ الصغير اللي سابتهولي مع العربية النقل كان البداية. اشتغلت ليل مع نهار، مكنتش بنام، كنت بهرب من تأنيب الضمير بالشغل. كنت كل ما أتعب وأعوز أصلح العربية أو أشتري بضاعة، أفتكر إن الفلوس دي مدفوع ثمنها من عمر وحب ست أنا مقدرتهاش.
النهارده، بعد سنة، أنا مابقتش مايكل المديون اللي بينام في العربية. بقى عندي شركة نقل صغيرة بتلات عربيات.
بس أهم من الفلوس، أنا اتغيرت من جوايا. كل ما بشوف حد غلبان أو محتاج، بفتكر الصندوق وبفتكر إيفون. بقيت مسبتش حد مديون أو مزنوق إلا وبساعده، كأني بحاول أسدد ديني ليها من خلال الناس.
كل أسبوع بروح أزور قبرها، وبحط عليه ورد، وبقعد أحكيلها عن الشغل وعن حياتي.. أنا عارف إنها مش سامعاني، بس أنا بعمل كده عشان أريّح قلبي.
أنا مأخدتش البيت ولا أخدت الملايين.. بس إيفون سابتلي أهم حاجة
كنت محتاجها ومكنتش فاهمها سابتلي بني آدم نضيف أقدر أحترمه لما أبص لنفسي في المراية.
وفي آخر زيارة ليا لقبرها، وأنا قايم وبنفض التراب من على هدومي، لقيت حارس المدافن، راجل عجوز وطيب، قرب مني وقال لي يا أستاذ مايكل، الست إيفون الله يرحمها قبل ما تموت بفترة، كانت جت هنا وسابت معايا الأمانة دي، وقالت لي أول ما تلاقيه بدأ ييجي يزورني بانتظام ويزرع ورد على القبر، إديهاله.
الراجل طلع من جيبه ظرف مقفول ومتبهدل شوية من الرطوبة.
فتحت الظرف وإيديا بترتعش، ولقيت جواه ورقة صغيرة وصورة.. الصورة كانت لينا إحنا الاتنين، يوم ما اتجوزنا، كنت واقف مكشر ومحرج، وهي كانت بتضحك من قلبها وباصة لي بفرحة حقيقية.
وفي ظهر الصورة كانت كاتبة كلمتين بس
أنا مسمحاك يا مايكل من كل قلبي.. عيش حياتك وافرح، أنا دلوقتي مرتاحة عشان عرفت إنك بقيت الراجل اللي كنت بتمناه.
وقعت على ركبي قدام القبر وعيطت زي العيال الصغيرة.. العياط اللي كنت كاتمه جوايا طول السنة اللي فاتت دي كلها طلع كله في اللحظة دي. مكنتش
عياط ندم بس، كان عياط راحة.. الوجع اللي في قلبي وتأنيب الضمير اللي كان هيموتني اختفوا، وحسيت فجأة بوزن تقيل أترفع من على كتافي.
قفلت الظرف وحطيته في جيب الجاكيت، جنب قلبي.
ودلوقتي، كل ما الدنيا بتضيق بيا أو بمر بأزمة في الشغل، بطلع الصورة دي وأبص لضحكتها.. مبقتش بفتكر نفسي الغلبان ولا بفتكر طمعي القديم، بقيت بفتكر بس إن فيه حد في الدنيا دي آمن بيا وصرف عليا من عمره وحنيته عشان يخليني بني آدم.
مشيت من عند القبر وأنا باصص للسما، وبقول في سري شكراً يا إيفون.. وعد عليا، عمري ما هخذلك تاني.
مرت السنين، وبقت الشركة الصغيرة أكبر، وبقى اسمي معروف في السوق. اتجوزت وبقى عندي أولاد، وسميت بنتي الكبيرة إيفون.. على اسمها.
كل ما ببص في وش بنتي، بفتكر إن وجودي في المكانة دي، ووجود العيلة دي كلها، بفضل الست العظيمة دي اللي لقطتني من القاع وربتني من جديد بأفعالها.
وفي يوم، وبنتي إيفون بتلعب في المكتب عندي، فتحت درج مكتبي القديم وطلعت الدفتر الصغير والصندوق اللي لسه محتفظ بيهم كأنهم
أغلى ما أملك.
بصتلي وقالت ببراءة يا بابا، إيه الصندوق القديم ده؟ وليه شايله هنا؟
خدتها في حضني، وفتحت الصندوق قدامها، وطلعت الصورة القديمة بتاعتنا. شاورتلها على الست الطيبة اللي بتضحك في الصورة وقلت لها ده يا حبيبتي صندوق السحر.. الصندوق اللي غير حياتي.
سألتني بنعومة سحر إزاي يا بابا؟ كان جواه فلوس كتير؟
ابتسمت ودمعة لمعت في عيني، وقلت لها لأ يا قلب بابا.. كان جواه حاجة أغلى من الفلوس بكتير.. كان جواه ضمير.. الست دي هي اللي علمتني إزاي أكون راجل، وإزاي أحب الناس من غير مقابل، وإزاي أبقى البني آدم اللي واقف قدامك دلوقتي.
بنتي باستني على خدي ورجعت تلعب، وأنا قفلت الصندوق بالراحة ورجعته مكانه.
الحكاية مكنتش حكاية فلوس ضاعت ولا ورث خسرته.. الحكاية كانت إن ربنا بعتلي ملاك في صورة ست عجوزة عشان ينقذ روحي من الضياع. وأنا عايش الباقي من عمري عشان أثبتلها حتى وهي في مكان أفضل إن ثقتها فيا مكنتش في غير محلها، وإن الدرس اللي علمهولي صندوق الجزمة القديم.. هيفضل عايش ومكمل في
ولادي وولاد ولادي.

تم نسخ الرابط