بعد خمسين عام حكايات صافي هاني
راجل عرفته في حياتي.
فتحت عيني براحة، وريحة البنج والمستشفيات مالية المكان. أول حاجة لمحتها كانت الإضاءة البيضاء بتاعة الرعاية المركزة، وجنب مني جهاز ضربات القلب وصوته المنتظم وهو بيعد تيت.. تيت.. تيت.
حركت صوابعي بتعب، لقيت إيد دافية مكلبشة فيا. بصيت جمبي لقيت أحمد ابني، قاعد على كرسي وقاصص دقنه وعينيه حمرا من قلة النوم. أول ما شافني بفتح عيني، وقف ملهوف ودموعه نزلت حمد الله على سلامتك يا أمي! الدكتور طلع وقال العملية نجحت وقلبك بقى زي الحديد.
ابتسمت من تحت ماسك الأكسجين بالعافية، وحسيت بنغزة خفيفة في صدري، بس لأول مرة من سنين، حسيت إن النفس بيدخل ويخرج مرتاح.. مفيش التقل والهم اللي كان كابس على نفسي.
بعد يومين تنقلت لأوضة عادية، والبيت كله كان ملموم حواليا. بناتي وعيالهن، والضحكة رجعت عتبة بيتنا تاني بعد ما كانت هجرتنا من خمس سنين. أحمد دخل عليا وجايب في إيده كيس فيه الموبايل والبطاقة بتاعتي، وحتة البلاستيكة الزرقا.. فيزا البنك.
قالي وهو بيبتسم كل المستحقات ومصاريف المستشفى اندفعت من الحساب يا أمي، وزي ما الحج وجدي خطط بالمليم.. معززة مكرمة ومحتجتيش لمخلوق.
مسكت الفيزا في إيدي وبصيت لها، ما بقيتش شايفاها مجرد كارت بلاستيك بارد.. بقيت شايفاها حماية، وأمان، ورسالة حب متأخرة.
لما رجعت البيت بعد أسبوع، أول حاجة عملتها دخلت المطبخ. رحت عند المطبقّية وطلعت مج الشاي الأزرق المشروخ اللي وجدي ساب الفيزا جنبه زمان. صبيت فيه شاي بلبن، وقعدت في البلكونة في طراوة العصاري.
بصيت للسما وقولت في بالي أهو قلبي خف يا وجدي.. ورجع يدق تاني.. وبيدق باسمك وبيدعيلك
مرت الأيام والشهور، ورجعت صحتي أحسن من الأول بكتير. عيالي ما بقوش يسيبوني لحظة، وبقوا يتناوبوا عليا كل أسبوع واحد يقعد معايا، والبيت اللي كان ضلمة ويئس، رجعت فيه الروح من تاني.
وفي يوم جمعة، والعيال كلهم ملمومين حواليا وبيلعبوا مع أولادهم في الصالة، قمت دخلت أوضتي وفتحت الدولاب. طلعت من قاع الدولاب علبة قطيفة قديمة، كانت بتاعة شبكتي. فتحتها وبصيت للدبلة بتاعتي ودبلة وجدي اللي كان سابها في الظرف مع الفيزا.
لبست الدبلتين في إيد واحدة، وحسيت برعشة دافية في صوابعي.
أحمد ابني دخل عليا الأوضة ولقاني سرحانة، جه قعد جنبي وطبطب على كتفي وقالي بتفكري في إيه يا أمي؟
قولتله وأنا ببتسم وعيني تلمع بفكر في أبوك يا أحمد.. بفكر إن الواحد ساعات بيقضي عمره كله فاهم اللي قباله غلط، ولما الحقيقة بتبان، بنكتشف إننا كنا عايشين في نعمة وإحنا مش داريانين.
أحمد باس راسي وقالي هو في مكان أحسن دلوقتي يا حجة، وكفاية إنه مطمن عليكي وأنتِ وسطنا وبصحتك.
نزلت مع عيالي بعد الغدا، ورحنا المدافن. كانت أول مرة أروحله من خمس سنين. وقفت قدام قبره، ومسكت الخرطوم ورشيت مية على التراب، وزرعت شجرة صبار صغيرة كنت جايباها معايا.
فاتت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بحالها وقلبي الجديد شغال ببركة دعايا ودعاء ولادي، والأهم، ببركة راحة البال اللي نزلت عليا بعد ما عرفت الحقيقة.
النهاردة كان يوم مش عادي، النهاردة كان عيد جوازنا ال 56. زمان، كنا بنحتفل بيه ب كيلو بسبوسة من المحل اللي بيحبه وجدي، وكوبايتين شاي في البلكونة. والنهاردة، قررت ما أغيرش العادة.
ولادي حاولوا يعزموني بره ويخرجوني، بس أنا صممت أقعد في بيتي. نزلت أحمد ابني يشتري البسبوسة، وقعدت أنا في المطبخ أعمل الشاي في المج الأزرق المشروخ اللي مابقى يتدلقش منه نقطة مية بعد ما لزقته وحافظت عليه كأنه حتة من روحي.
وأنا بصب الشاي، رن تليفوني. كان رقم غريب.
رديت ألو.. السلام عليكم.
جالي صوت ست وقور وهادي، قالتلي وعليكم السلام ورحمة الله.. الحجة هناء معايا؟
قولتلها أيوا أنا يا بنتي، مين معايا؟
قالتلي أنا الدكتورة ماجدة.. أنا كنت المشرفة على حالة المرحوم الحاج وجدي في المستشفى بره مصر في أيامه الأخيرة.. هو كان سايب معايا أمانة تانية، بس قالي ما أسلمهاش ليكي إلا بعد ما يمر سنة كاملة على عملية قلبك، وتكوني وقفتي على رجلك وبقيتي بأحسن صحة.
نشف ريقي وقولت وصوتي بيرتعش أمانة إيه يا بنتي؟
قالتلي الحاج وجدي كان مسجل فيديو مدته دقيقتين على فلاشة، وكاتب جواب بخط إيده بيشرح فيه تفاصيل رحلته، وكان دافع مصاريف شحن الأمانة دي لحد باب بيتك.. المندوب زمانه على وصول.
ما كملتش الكلمة ولقيت جرس الباب بيرن. قفلت معاها وإيدي بتترعش، فتحت الباب لقيت شاب لابس لبس شركة شحن، سلمني علبة صغيرة ومضيتله ومشي.
دخلت أوضتي وقفت الباب عليا. فتحت العلبة، لقيت فيها ورقة مطبقة بعناية، وفلاشة صغيرة، ومعاهم ساعة اليد القديمة بتاعته اللي كان دايماً لابسها وما بتفارقش إيده.
مسكت الجواب الأول وفتحته، وكان مكتوب فيه
يا هناء.. لو بتطلعي على الورقة دي دلوقتي، يبقى قلبك بقى زي الحديد وبتشربي شاي العصاري بتاعك ومبسوطة وسط العيال، وده كل اللي كنت بتمناه من الدنيا. أنا عارف إنك شوفتي الجواب
أنا ما سافرتش مع حد يا هناء.. أنا سافرت لوحدي أتعالج، ومكنش فيه ست تانية ولا حاجة، دي كانت كذبة اخترعتها مع واحد صاحبي عشان تكرهيني وتنسيني بسرعة، وعشان تقتنعي تاخدي الفيزا وما ترفضيهاش كبرياءً منك. أنا عمري ما عشت ون غيرك يا أم العيال. الفلاشة دي فيها فيديو سجلتهولك وأنا في المستشفى عشان تشوفي عيني وأنا بقولك الكلام ده وتصدقيني.. بحبك يا هناء، لآخر نفس في صدري.
وقعت الورقة من إيدي، ودموعي نزلت زي المطر.. بس المرة دي ماكنتش دموع وجع، كانت دموع فخر وإعزاز بالراجل اللي عشت معاه عمر بحاله.
حطيت الفلاشة في الشاشة، وظهر وش وجدي.. كان خاسس وتعبان، بس عينيه كانت لمعتها هي هي اللي خطفتني من 50 سنة. بص للشاشة وابتسم وقال منورة يا حجة هناء.. حمد الله على سلامة قلبك يا غالية.. أنا دايماً جنبك، ومستنيكي على الحوض.. لا إله إلا الله.
الشاشة اسودّت، وأنا لميت الجواب والساعة والفلاشة ، وقولت بأعلى صوت عندي والضحكة مرسومة وسط دموعي سيدنا محمد رسول الله.. وعيد جواز سعيد يا حبيبي.
قعدت على الكرسي وقريت له الفاتحة، ووطيت صوتي خالص عشان عيالي ما يسمعوش وقولتله أنا جيتلك يا وجدي.. جيتلك بقلب جديد، قلب ملوش دعوة بالمرض، وقلب ملوش دعوة بالزعل. أنا مسمحاك من كل جوارحي، وعيالك كبروا وبقوا سند ليا زي ما كنت عايز وأكتر. ارتاح يا حبيب العمر.. حسابنا خلاص صفي، ومش باقي بيننا غير الدعاء بالرحمة لحد ما أجيلك.
مشيت وأنا حاسة بالسلام لأول مرة، وعرفت إن الحكاية مش حكاية فلوس ولا
فيزا بنك، الحكاية إن الحب الحقيقي