غدر الاهل حكايات صافي هاني
تماماً. قدرت أكبر مشروعي الخاص اللي كنت شغال عليه في السر من سنين، وبقيت بساعد بيه الناس الغلبانة واللي محتاجين فعلاً ل ظهر وسند في الدنيا، زي ما كنت محتاجة زمان وملقتش غير نفسي وجدتي.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة في مكتبي وجالي إشعار على تليفوني بصورة قديمة لورقة من مذكرات جدتي، كانت كاتبة فيها يا بنتي، أنا عارفة إنك أقوى منهم كلهم، وعارفة إن سكوتك مش ضعف، ده ترتيب لخطوة أكبر. الفلوس دي عشان تحميكي من طمعهم، وأنا واثقة إنك هتعملي بيها الصح.
دموعي نزلت وأنا بقرا كلامها، وحسيت إنها وهي في مكانها دلوقتي مرتاحة ومبسوطة باللي أنا وصلتلوا. قفلت تليفوني، وبصيت من شباك مكتبي على المحكمة اللي غيرت حياتي، وأنا كلي يقين إن الحق دايماً بيبان، وإن اللي يظلم ويفتري باسم الأبوة والأمومة، الدنيا بتدور بيه وتخليه يدفع التمن غالي جداً. دي كانت نهايتهم، وبدايتي أنا الحقيقية.
سافرت برا مصر لفترة عشان أحضر مؤتمر دولي بيمثل جهتي السيادية، وهناك حسيت لأول مرة بتقدير حقيقي يستحقه المجهود اللي بذلته طول حياتي. مكنش حد يسألني أنتِ بنت مين، ولا كانوا بيقارنوني بأخواتي، الكل كان بيبص لي بناءً على عقلي، رتبتي، وإنجازاتي وبس.
وأنا هناك، جالي اتصال من واحد من قرايبنا اللي لسه بحترمهم، وقال لي إن أخواتياللي أهلي طول عمرهم شايفينهم مفيش زيهمدخلوا في مشاكل وخسارات مالية كبيرة بسبب طمعهم وسوء إدارتهم لحياتهم، وإن أبويا وأمي دلوقتي بيمروا بأزمة صحية ونفسية صعبة بسبب اللي حصل. قريبنا ده كان
سكتّ للحظة، وافتكرت كل مرة كنت برجع فيها البيت دموعي على خدي بسبب كلامهم الجارح، وافتكرت وقفتهم قصادي في المحكمة وهم عايزين ينهبوا ورث جدتي ويطلعوني مجنونة.
قلت له بكل برود ربنا معاهم، بس أنا مش شمس هتدفي ناس سابوني في التلج سنين. أنا قاضية، وبحكم بالعدل.. والعدل بيقول إن كل واحد يشيل شيلته ويتحمل نتيجة أفعاله وطمعه. قفلت السكة، وحسيت بنقاء غريب جوايا.
النهاردة، وأنا واقفة في مكاني، مأمنة مستقبلي، ومحققة ذاتي، وعندي اسم بيهزّ المكان اللي بدخله، بكتشف إن أعظم انتقام مش إنك تؤذي اللي أذاك.. أعظم انتقام هو إنك تنجح وتكبر وتعيش حياتك في قمة السعادة، لدرجة إنهم يبقوا واقفين بعيد، يتمنوا بس لو يلمحوا طيفك، وأنتِ خلاص مقتنعة إنهم مابقوش يمثلوا لك أي حاجة.
بعد المؤتمر، رجعت مصر واستلمت ترقية جديدة في شغلي، وبقى عندي مكتب أكبر ومسؤوليات أضخم. في يوم من الأيام، وأنا براجع القضايا اللي معروضة عليا، لقيت اسم مألوف جداً بين الأوراق.. كان اسم شركة المحاماة اللي كان شغال فيها المحامي بتاع أهلي، الشركة كانت متورطة في قضية تزوير ورق وتلاعب في قضايا ميراث تانية ناس غلابة.
ابتسمت ووقّعت على قرار إحالة القضية للمحكمة الجنائية بكامل الأدلة. الدنيا دارت، والمحامي اللي كان جاي يهددني ويتهمني بالباطل، وقع في شر أعماله وبنفس السلاح اللي كان بيحاربني بيه.
عدت سنة كاملة على الجلسة ديك، وفي يوم ذكرى وفاة جدتي، روحت زرت
وأنا راجعة لعربيتي، لقيت رسالة جاية لي على التليفون من رقم غريب، فتحتها ولقيتها من أمي.. كانت كاتبة احنا آسفين يا بنتي، خسارة كل حاجة ملهاش طعم واحنا حاسين بالذنب، بس نتمنى تكوني مسامحينا.
قريت الرسالة بكل هدوء، ومسحتها فوراً وعملت بلك للرقم. المسامحة مش دايماً معناها إننا نرجع زي الأول، وأنا خلاص أخذت حقي بالعدل والقانون، ومبقاش جوايا ليهم لا كره ولا حب.. بقوا مجرد صفحة واتقفلت في كتاب حياتي.
ركبت عربيتي، ودورت المحرك، ومشيت في طريقي وأنا ببص للمستقبل اللي أنا خططته وبنيته بنفسي، متأكدة إن مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسر الست اللي عرفت قيمتها وحمت نفسها بنفسها.
ومع كل خطوة جديدة كنت بخطيها في حياتي، كنت بحس إن ربنا بيعوضني عن كل سنين الوجع والتهميش. الشغل بقا بياخد كل وقتي، والمسؤولية الكبيرة اللي بقت على كتافي مكنتش مخلياني أفكر في الماضي ولا للحظة واحدة. بقيت مركزة في قضايا الناس، وفي إرساء العدل، وحماية كل شخص مظلوم مش قادر ياخد حقه.
في يوم من الأيام، وأنا خارجة من الوزارة بعد اجتماع طويل، لقيت أخويا الكبير واقف جنب عربيتي. كان باين عليه التعب، والكسرة مالية عينه، ومبقاش فيه أثر للشخص المغرور اللي كان دايماً شايف نفسه أحسن مني. أول ما شافني، قرب وهو متردد وقال بصوت واطي أنا عارف
بصيت له ووقفت مكاني. للحظة واحدة، شريط حياتي كله مر قدام عيني؛ افتكرت قساوتهم، وافتكرت المحكمة، وافتكرت نظرات الاحتقار. بس في نفس الوقت، أنا قاضية، وبحكم بالحق، والعدل برضه بيقول إن الخصومة بتنتهي قدام المرض والموت.
رحت معاه المستشفى. دخلت الأوضة لوحدي، ولقيت أبويا راقد على السرير، باهت وضعيف جداً. أول ما فتح عينه وشافني ببدلتي وهيبتي، دموعه نزلت، وحاول يرفع إيده عشان يمسك إيدي، وقال بصوت بيترعش سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك وضيعتك من إيدي عشان الفلوس والطمع، ودلوقتي عرفت إنك كنتِ أحسن واحدة فينا.
قربت منه، ومسكت إيده بهدوء، وقلت له أنا مسمحاك يا بابا.. ربنا يشفيك ويقومك بالسلامة. مكنتش قادرة أقول أكتر من كده، بس الكلمة دي كانت كافية إنها تريّح قلبه. خرجت من الأوضة وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي سنين طويلة انزاح تماماً. المسامحة هنا مكنتش ضعف، ولا معناها إني هرجع أعيش معاهم تاني، لكنها كانت إعلان إني اتخلصت من آخر رابط كان ب يربطني بماضيهم المؤلم.
أبويا عدى الأزمة الصحية دي بسلام،
والعلاقة بينا بقت رسمية جداً وبحدود واضحة؛ هما في حياتهم، وأنا في حياتي وسلطتي ونجاحي. الورث اللي سابتهولي جدتي مكنش مجرد ملايين، ده كان نقطة التحول اللي خرجتني من الضلمة للنور، وخلتني أثبت لنفسي وللعالم كله إن البنت اللي حاولوا يكسروها، بقت هي السند اللي