تدمير طفوله حكايات صافي هاني
ابني رجع من عند أمه ماشي غريب، حاطط إيده على سنانه ومش قادر يقعد على بعضه.. مأتشلتش بمحامي، ومقعدتش أتخانق مع طليقتي.. أنا كلمت الإسعاف والنجدة فوراً قبل ما أي حد يلحق يخفي الدليل.
عمر كان عنده تمن سنين، جه وشايل شنطة المدرسة على كتف واحد، وشه هربان منه الدم، وعينيه منفوخة من كتر البكاء المكتوم اللي بقاله فترة طويلة. أمه، هدى، نزلته على الرصيف قدام البيت زي كل يوم حد، ومكلفتش نفسها تنزل من العربية حتى، يدوب زعقت من الشباك الولد بيتدلع ويعمل دراما، طنشه ومتاخدش على كلامه!
أنا عرفت إن فيه مصيبة من قبل ما ابني ينطق بكلمة واحدة.
مجرىٰش عليا..
مأخدنيش بالحضن جامد زي ما بيعمل كل مرة.
كان واقف على باب الشقة ورجليه بتترعش، وكأن أي حركة بتموته من الوجع.
بابا.. ينفع أنام وأنا واقف؟
حسيت إن روحي بتنسحب مني وبتقع في الأرض، نزلت على ركبي قدامه
جرى إيه يا بطل؟ فيك إيه؟
عمر بص في الأرض وقال
مفيش.
الكلمة دي رعبتني أكتر من الصريخ، لأن العيال مبيقولوش مفيش إلا لو فيه حد مخوفهم ومأدبهم يخافوا.
أنا وهدى مطلقين بقالنا سنتين، الحضانة معاها طول الأسبوع ومعايا في الويك إند. كل مرة عمر يرجع فيها من عندها كان بيبقى ساكت ومنطوي أكتر. في الأول، بطل يغني معايا في العربية وهو راجع، بعدها بدأ يأكل في ضوافره،
كان بيقولي ماما بتتعصب عليا وتزعق جامد لو اتكلمت.
روحت اتكلمت مع مدرسته..
ورحت لدكتور نفساني..
واتكلمت مع هدى نفسها..
بس هي دايماً كان عندها رد جاهز
أنت اللي بتبخ في ودنه كلام.
الواد ده بيحب لفت الانتباه والتمثيل.
أنت بس شايل مني ومش طايقني كأي طليق.
والناس كلها كانت بتصدقها هي..
لأن هدى بتعرف تتكلم وتزوق الكلام كويس أوي.
ولأن صورها معاه على الفيسبوك كلها حب وضهرها العيلة المثالية.
ولأنها كانت بتدخل اجتماعات المدرسة مبتسمة، وتوزع حلويات على صحابه، وتقول للناس إن عمر حساس زيادة عن اللزوم.
بس الليلة دي، مفيش أي ابتسامة كانت هتقدر تخبي اللي شفته بعيني. ابني حاول يقعد على الكنبة، طلع منه أنين ووجع كسر قلبي.
لأ يا بابا.. بلاش هنا..
إيديه كانت بتترعش، وجسمه عرقان عرق ساقع، وهدومه لازقة في جسمه. قومت براحة، مسكت التليفون، وطلبت النجدة والإسعاف.
ألو، نجدة الشرطة معايا؟
صوتي كان طالع هادي ومستقر من كتر الصدمة
ابني لسه راجع حالا من عند أمه، مش قادر يقعد وفي حالة ألم شديد جداً. محتاج عربية إسعاف وأمين شرطة أو ضابط فوراً.
عمر بصلي وهو مرعوب
لأ يا بابا، بلاش بالله عليك.. ماما قالتلي لو الشرطة جت هي هتدخل السجن.
ساعتها بس فهمت إن الأذى
اسمعني يا حبيبي، اتقِ الله في نفسك، أنت معملتش أي حاجة غلط، ومفيش عليك أي ذنب.
بدأ يعيط من غير صوت.. كأن حتى العياط والصريخ كان ممنوع عليه ومحرم.
عربية الإسعاف وصلت الأول، وبعدها بوكس الشرطة. الجيران بدأوا يبصوا من الشبابيك والبلكونات، مفرقش معايا أي حد. المسعفة دخلت وشافت حالة عمر، وتعبيرات وشها اتقلبت في ثانية
مين اللي جابه هنا بالمنظر ده؟
والدته نزلتُه من العربية من ربع ساعة بالظبط.
وهي مشيت؟
آه.
المسعفة أخدت نفس عميق وقالت
احنا لازم نتحرك على المستشفى فوراً.
عمر تبت في رقبتي بكل قوته وهم بيرفعوه على النقالة
بابا، متبعدش عني.
مش هسيبك أبداً يا حبيبي، استعن بالله.
في الطوارئ، الدكتور طلب يفحصه. كنت داخل وراه، بس الأخصائية الاجتماعية وقفتني
يا فندم لازم نتبع الإجراءات القانونية والبروتوكول.
أنا أبوه!
عشان كده بالذات، احنا لازم نحميه صح.
الكلمة دي خبطت في دماغي زي الطلقة.. نحميه صح.
أومال أنا كنت بعمل إيه طول الشهور اللي فاتت دي؟ مستني؟ بجمع أدلة؟ ومأمل إن جلسة المحكمة وقضية الرؤية والحضانة هما اللي هيحلوا الوجع اللي ابني كان بيصرخ بيه بعينيه؟
فضلت واقف في الطرقة، إيديا عرقانة، وبسمع الأبواب وهي بتفتح
بعد ثلث ساعة، هدى وصلت.. دخلت ثائرة، شعرها مظبوط على الشعرة، شايلة شنطة براند غالية، ولابسة الجاكيت اللي كنت أنا جايبهولها أيام ما كنت فاكر إننا لسه عيلة وبيت واحد.
بصتلي بغل وقالت أنت هببت إيه يا أحمد؟ طلبت الشرطة وعملت فضيحة عشان الولد اتمأوع شوية؟
مردتش عليها. حاولت تدخل الأوضة لعمر، بس الممرضة وقفت في وشها
ممنوع الدخول يا مدام.
أنا أمه!
عشان كده بالذات يا فندم، اتفضلي استني هنا.
هدى اتسمرت في مكانها، ودي كانت أول مرة في حياتي أشوفها بتفقد ثباتها ووشها بيجيب ألوان.
حاولت تلحق نفسها وقالت بسرعة الولد وقع في الحمام ومكنش قصدها حاجة.. أنا كنت لسه هفهمك واشرحلك اللي حصل.
في اللحظة دي، ضابط الشرطة اللي واقف رفع عينه وبصلها بنظرة تانية خالص.
الضابط ساب القلم من إيده، وبصلها ببرود يقلق وهو بيقفل المحضر اللي قدامه وقال
تقصدي إيه ب مكانش قصدها حاجة يا مدام؟ ومين هي اللي مكانش قصدها؟
هدى لسانها اتلجلج، ووشها اصفرّ وبدأت تفرك في إيديها
لأ.. أنا أقصد مكانش قصدي.. لسان عصفور غلطة لسان يعني.. الولد اِتزحلق في الحمام وهو بيستحمى عادي، وأنا كنت مستعجلة عشان أنزله لوالده فملحقتش أوديه لدكتور، قولت أبوه يتصرف.
الضابط بصلها من فوق لتحت، ومشي خطوتين ناحية الممرضة وقال بنبرة حاسمة
محدش يدخل