تدمير طفوله حكايات صافي هاني
المحتويات
الطفل لحد ما تقرير الطب الشرعي المبدئي يوصلني في إيدي.
الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة.. طب شرعي؟
بصتلي وعينيها مليانة غل وخوف، وقربت مني وهي بتوشوشني وبتجز على أسنانها
أنت عاوز تخرب بيتي؟ عاوز تفضحني وتضيع مستقبلي؟ اتقِ الله في سمير وفيّا، ده ابنك! عاوز الناس تقول على أمه إيه؟
ساعتها بس، حسيت إن ربنا نزّل في قلبي برود غريب وقوة مكنتش فيّا.. بصيت في عينيها وقولت بصوت واطي ومسموع
أنتِ اللي خربتِ بيتك بإيدك، وضيعتِ الأمانة اللي ربنا استأمنك عليها.. كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.. وأنتِ ضيعتِ ابني.. أنا سكتّ كتير وقولت بلاش محاكم وفضايح عشان خاطر الواد، بس لحد وجعه وكسرته.. خلاص، اللي بيني وبينك دلوقتي هو شرع ربنا والقانون.
في اللحظة دي، الباب اتفتح وخفّت الحركة شوية، وخرج الدكتور المسؤول عن حالة عمر.. وشه كان مقلوب، وعينيه كلها غضب.. الضابط قرب منه بسرعة
خير يا دكتور؟ التقرير المبدئي بيقول إيه؟
الدكتور بصلنا احنا الاتنين، ونفخ بضيق وهو ماسك الأشعة في إيده وقال
الولد عنده كدمات شديدة وكسر في الضلوع، وفيه آثار حروق سجاير قديمة وجديدة في ضهره.. ده مش واقع في حمام يا فندم، الولد ده بيتعرض لتعذيب منهجي بقاله أسابيع، ولولا ستر ربنا كان ممكن يحصله نزيف داخلي يودي
الدكتور لسه مكملش كلامه، ولقينا هدى بتمثل إنها بتغمى عليها وبتقع في الأرض وهي بتصرخ
يا لهوي! ابني! مين عمل فيك كده يا حبيبي؟ ده أنا بسيبه مع جوزي الجديد لما بنزل الشغل! والله ما أعرف حاجة!
الضابط متهزش من التمثيلية، شاور لأمناء الشرطة اللي واقفين وقال بلهجة حاسمة
هاتوها.. واطلبوا قوة تروح تقبض على جوزها فوراً من البيت.. المحضر ده اتقلب جناية شروع في قتل وهتك عرض طفل.. والكل هيتحاسب.
وهم بيشدوها من إيديها وهي بتصوت وتتوسل ليا عشان أتنازل، أنا مكنتش سامعها أصلاً.. لفيت ضهري ودخلت الأوضة لعمر.
كان واخد جنب في السرير، وجسمه الصغير متوصل بالأجهزة.. أول ما شافني، عينيه دمعت بس المرة دي مكنش خايف..
قربت منه، أخدته في حضني بالراحة عشان مأوجعوش، وبوست راسه وقولتله
خلاص يا قلب أبوك.. كابوس وانتهى، ومحدش في الدنيا هيقدر يلمسك تاني طول ما أنا عايش.. ربنا نصرنا.
هدى صوتها بدأ يختفي تدريجيًا وهي بتتجرجر في طرقة المستشفى، وصراخها وهي بتستغيث وتحلف مكنش ليه أي صدى غير نظرات القرف والاشمئزاز من الممرضين والدكاترة اللي واقفين.
الضابط قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بنبرة فيها احترام وتعاطف
يا أستاذ أحمد، أنا مقدر اللي أنت فيه، بس لازم تيجو معايا أنت والمدام الأخصائية
هزيت راسي وقولتله حاضر يا فندم، ثواني بس أطمنه.
التفت لعمر اللي كان بيبصلي وعينيه لسه بتلمع بالدموع، بس لأول مرة من شهور أشوف في عينه نظرة هدوء.. كأن جبل انزاح من على صدره الصغير.
بابا.. هي مش هترجع تاخدني تاني صح؟
صوته كان طالع بيترعش، بس النبرة كان فيها أمل متعلق في رقبتي.
نزلت لمستواه، بوست إيده بالراحة وقولتله
وعزة جلال الله يا عمر، ولا هي ولا أي حد في الدنيا هيقدر يبعدك عن حضني تاني.. أنت من النهارده معايا، وفي أمان ربنا ثم أماني.. نام وارتاح يا بطل، أبوك ضهرك وسندك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وغمض عينيه والتنفس بتاعه بدأ يتنظم لأول مرة وهو حاسس إنه مش مضطر يخبي وجعه ولا يخاف من الجاي.
خرجت مع الضابط والأخصائية الاجتماعية، وطول الطريق لمكتب النقطة في المستشفى كنت حاسس بنار قايدة في قلبي.. نار الندم على كل يوم صدقت فيه كلامها، وعلى كل مرة سبته يرجع فيها وهو بيبكي.. بس مع النار دي كان فيه يقين إن ربنا مبيسيبش حق الغلابة، وإن النجدة دي كانت سبب عشان أنقذ ابني من الموت.
لما دخلنا المكتب، كانت هدى قاعدة على الكرسي، مكسورة، شعرها
الضابط قعد وفتح المحضر وبدأ يسألني
قولي يا أستاذ أحمد.. إيه اللي حصل بالظبط من وقت ما الولد وصل عندك؟
أخدت نفس عميق، وبدأت أحكي كل حاجة.. من أول يوم اطلقنا فيه، وتغير تصرفات عمر، وخوفه، والعلب والحلويات اللي كانت بتداري بيهم جريمتها قدام المدرسة، لحد الليلة دي لما جاني مش قادر يقعد وعلى لحمه كرباج وظلم. كنت بتكلم وحاسس إن كل كلمة بقولها هي مسمار في نعش ظلمهم.
وأنا بملي أقوالى، تليفون الضابط رن.. رد وبصلي وقال
تمام يا فندم.. القوة قبضت على المتهم التاني جوزها من البيت وهو بيحاول يلم هدومه ويهرب.. وجاري ترحيله للقسم.
هدى أول ما سمعت الجملة دي، انهارت وبدأت تصرخ
هو اللي عمل كده! والله هو اللي كان بيضربه ويطفئ السجاير في ضهره عشان بيقعد يعيط، وأنا كنت بخاف منه ومبقدرش أحوشه!
الضابط ضرب بالغل على المكتب وقال بزجر
اسكتي خالص! حسابك في النيابة.. الأم اللي تضحي بابنها وتهون عليها ضناها عشان ترضي جوزها، متستاهلش كلمة أم أصلاً.. دي جناية تستر واشتراك في تعذيب طفل.
لف الضابط ليا وقفل المحضر
اتفضل امضي هنا يا أستاذ أحمد.. والصبح هتعرضوا على النيابة المسائية عشان
متابعة القراءة