تدمير طفوله حكايات صافي هاني
بكره الصباحية هرفعلك طلب عاجل للمحامي العام لإسقاط الحضانة عنها فوراً وضم الطفل ليك مؤقتاً لحين صدور حكم نهائي.
مضيت وإيدي ثابتة.. مكنتش حاسس بالشماتة، كنت حاسس بالعدل.. شرع ربنا اللي بيقول ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون كان بيتحقق قدام عيني.
رجعت لغرفة عمر، قعدت على الكرسي جنبه، مسكت مصحفي الصغير وبدأت أقرأ قرآن بصوت واطي وجنبه يهديه.. وأنا باصص لوشه وهو نايم، حلف في سري إن العمر اللي باقيلي كله هيكون ليه.. عشان أعوضه عن كل ليلة عاشها في الرعب، وعشان أرجّع البطل الصغير يغني ويضحك تاني من قلبه.
الليل عدا وأنا قاعد جنب سريره، مش ملاحق على الأفكار اللي بتاكل في دماغي، وعيني منزلتش من عليه لحظة. كل ما يتفزع في نومه أو يئن بصوت واطي، كنت بطبطب عليه وأقرا آية الكرسي في سري لحد ما يهدأ ويرجع ينام تاني. عرفت ساعتها معنى الآية الكريمة وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. الحنية والأمان مش بالورق والصور، دي بالرحمة اللي ربنا بيحطها في القلوب.
على الساعة تسعة الصبح، الشمس بدأت تدخل الأوضة، والباب خبط براحة. دخل ضابط المباحث ومعاه الست الأخصائية بتاعة المحكمة ووكيل النيابة اللي جه بنفسه المستشفى عشان يعاين حالة عمر ويسمع أقواله في مكانه رأفة بوضعه الصحي.
وكيل النيابة كان راجل وقور، بصل لعمر بنظرة أب حنين، وقرب من السرير وقعد على طرفه وبدأ يتكلم معاه براحة وبصوت واطي جداً عشان ميخوفوش
أزيك يا بطل؟ أنا عمو أحمد من النيابة.. جيت هنا مخصوص عشان أشوفك وأقولك
عمر بصلي الأول، وكأنه بيستمد مني الأمان.. هزيت له راسي وابتسمت اتكلم يا عمر، عمو هيجيبلك حقك ومحدش يقدر يعملك حاجة.
الولد بدأ يتكلم، وصوته بيترعش.. حكى بالتفصيل عن الأيام السودا اللي عاشها، عن جوز أمه اللي كان بيقفل عليه الأوضة ويضربه ويهدده بالسكينة لو اِتكلم، وعن أمه اللي كانت بتشوف وتسمع وتقفل الباب وتنزّل الستائر عشان الجيران ميتكلموش، وتقوله استحمل عشان متخربش عليا حياتي.
كل كلمة عمر كان بيقولها كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين، بس وكيل النيابة كان بيكتب وعينيه بتطق شرار من الغضب. لما خلص، وكيل النيابة طبطب على رجله وقال حقك راجع يا بني، وربنا مش هيرضى بالظلم ده.
التفت الوكيل ليا وقال بنبرة حاسمة
يا أستاذ أحمد، تقرير الطب الشرعي النهائي وصل، وفيه إثبات كامل بوجود تعذيب ممنهج وإصابات بالغة. وبناءً على شهادة الطفل وأقوالك وتقرير الأطباء، صدر قرار النيابة بحبس المتهمين هدى وجوزها أربعة أيام على ذمة التحقيق مع التجديد في الميعاد، بتهمة الشروع في القتل والتعذيب واستغلال طفل.
أخد نفس وكمل وهو بيمضى على ورقة في إيده
وده قرار عاجل بتسليم الطفل ليك فوراً بصفة مؤقتة، لحين رفع الدعوى الرسمية وإسقاط الحضانة عنها نهائياً لعدم الأمانة والصلاحية الأخلاقية والشرعية.. خده في حضنك يا فندم، الولد محتاجك.
أخدت الورقة منه وإيدي بتهتز، بس المرة دي من الفرحة.. دموعي نزلت غصب عني، وسجدت لله شكر في أرض الأوضة..
بعد يومين، كتبوا لعمر على خروج من المستشفى بعد ما حالته استقرت وأطمنوا إن الكسر اللي في ضلوعه محتاج بس راحة وعلاج ومتابعة.
شيلته بين إيديا ونزلنا.. الجو برا كان جميل، والشمس دافية. ركبنا العربية، وقعدته في الكرسي اللي قدام جنبي وحطيت له المخدة ورا ضهره براحة.
وأنا بدور العربية، بصيت له وقولت تسمع إيه يا بطل؟
عمر بصلي، ولأول مرة من سنتين، شفت الضحكة الحقيقية اللي طالعة من قلبه ورجعت لوشه النور.. وقال شغل الشريط اللي بنحبه يا بابا.. بتاع الأغاني القديمة.
دورت العربية، وطلعنا على بيتنا.. بيته اللي مش هيخرج منه تاني.. البيت اللي مفيش فيه غير سيرة الله، والرحمة، والحب اللي يستاهله.
مشوار الطريق للبيت كان هادي، بس كان أحلى مشوار مشيته في حياتي. طول السكة كنت ببص عليه من وقت للتاني، أشوفه وهو ساند راسه على الشباك وبيتابع الشوارع والناس.. ملامحه بدأت تفك، والشدة اللي كانت في وشه بدأت تختفي ويدخل مكانها طمأنينة افتقدها بقاله كتير.
أول ما وصلنا تحت البيت، جيراني وأصحابي في المنطقة كانوا واقفين مستنينا. الخبر كان انتشر في الحتة كلها، والكل عرف باللي حصل. لقيت عم محمد صاحب السوبر ماركت، والحاج إبراهيم الراجل الطيب بتاع الفاكهة، وشباب المنطقة كلهم واقفين يطمنوا عليه.
حمد الله على سلامة البطل يا أبو عمر!
نورت بيتك يا حبيبي.. ألف بركة إن ربنا نجاك.
الكلام والدعوات الطيبة من الناس حستتني إننا مش لوحدنا، وإن بلدنا لسه فيها خير وناساً بتتقي
شيلته براحة وطلعنا الشقة. أول ما دخلنا، قفلنا الباب ورا ظهرنا.. حسيت إن باب السجن هو اللي اتقفل وباب الجنة اتفتح لينا. الشقة كانت نظيفة ودافية، ريحته وحاجته ولعبه في كل مكان مستنياه.
قعدته على السرير في أوضته، وجبت له الأكل والعلاج اللي الدكتور كتبهوله.
يلا يا بطل.. سمّ الله وكل عشان تاخد دواك وتنام ترتاح.
عمر أكل بنفس لأول مرة،
وبدأ يتكلم معايا ويفك.. حكالي عن العابه اللي كان سايبها هنا، وعن صحابه في المدرسة اللي وحشوه، وعن رغبته إنه يرجع يتمرن كورة تاني لما يخف.. كنت بسمعه وأنا ببتسم وبحمد ربنا في سري على كل كلمة بيطلعها وهو مرتاح.
بعد ما أخد دواه، بدأ يكبس عليه النوم. غطيته براحة، وقبل ما يغمض عينيه، مسك في كم قميصي وقال بصوت كله رجاء
بابا.. أنت هتفضل هنا جنبي لما أصحى؟
قعدت جنبه على طرف السرير، ومسحت على شعره وقولتله
أنا جنبك ومش هتحرك من هنا يا عمر.. نام وأنت مطمن، ربنا حارسنا، وأبوك معاك وسندك لحد آخر يوم في عمري.. مش هسيبك تاني أبداً.
غمض عينيه وراحت ملامحه في نوم عميق ورايق، من غير فزع، ومن غير عرق ساقع، ومن غير خوف من بكرة.
قومت براحة، وقفت في البلكونة وبصيت للسما.. الجو كان هادي وصوت آذان العصر بدأ يتردد في المآذن.. حسيت براحة في صدري مكنتش حاسس بيها من سنين. الحكاية كانت صعبة، والوجع كان كبير، بس الحق ظهر والعدل اِتحقق.. وولدي رجع لحضني بالشرع والقانون والأصول.. ومفيش