مرات طليقي البجحه حكايات صافي هاني
قعدت مراته التانية بتاعة طليقي في الكرسي اللي ابني كان حاجز هولي في حفلة تخرجه، وبصتلي وهي بتبتسم وبتقول بلؤم ممكن أمه تقف تتفرج من ورا عادي. بس لما ابني طلع على المنصة عشان يلقي كلمة المتفوقين قدام ستميت واحد، طبق ورقة الخطاب بتاعته، وبص بعينه على طول لفستانها الأزرق النيلي، وكشف المستور اللي خلا القاعة كلها تسكت وما تنطقش بنص كلمة.
المسؤول عن تنظيم الكراسي ما كانش قادر يحط عينه في عيني. كان شاب صغير، عنده بتاع 19 ولا 20 سنة، ولابس كرافتة وماسك النوتة في إيده كأنه بيستخبي وراها.
قال بصوت واطي يا فندم أنا آسف، الكراسي اللي قدام كلها محجوزة ومليانة، لازم تقفي ورا.
بصيت من وراه على القاعة الزحمة.. أهالي وجدود ومدرسين وورد وموبايلات، وطلبة لابسين روب التخرج الأزرق ماليين كل الصفوف.
وفجأة لقطت عيني الصف التاني ب.
الكرسيين رقم 4 و.
كراسيا.
محمد ابني هو اللي حط كروت المحجوز بنفسه الصبح، أنا شفته وهو بيعمل كده قبل ما يحضني في جراج العربيات ويهمس في ودني أمي، الصف التاني.. شلتلك أحسن مكان.
بس دلوقتي الكروت مش موجودة!
لأ.. مش مش موجودة..
دي كانت مرمية تحت الكراسي في الصف الأولاني، ومقطوعة نصين كأنها زبالة.
فاطمة أحمد.
اسمي أنا.
مقطوع ومفروم زي الورق القديم.
واللي قاعدة في مكاني وحاطة
عندها 28 سنة، لابس فستان ماركة أزرق نيلي، شعرها متظبط على الشعرة، وموبايلها في إيدها. بقالها سنتين بتنزل بوستات عن إنها الأم البديلة الحنينة لمحمد، مع إن ابني ما بيتكلمش معاها أصلاً غير يدوب على قد الذوق والعافية. وجنبها قاعد طارق، باصص في كتيب الحفلة كأن الورق ده أهم بكتير من الست اللي ربّت وسهرت على ابنه، واللي بتطرد دلوقتي ورا.
قربت خطوتين.
قلت بصوت واطي طارق، دي كراسيا.
علامات السواد والذنب ظهرت على وشه لثانية واحدة قبل ما يخبيها.
قال فاطمة.. حصل لغبطة في الحجز، هناء هي اللي رتبت الموضوع ده مع المدرسة.
هناء ما تكرمتش تبصلي حتى في الأول، فضلت تقلب في موبايلها وبعدين دتني ابتسامة صفرا.
وقالت حبيبي، مامته ممكن تتفرج من ورا عادي، أكيد هي متعودة على كده دلوقتي.
وبعدين ضحكت.
ما كانتش ضحكة عالية، لو كانت عالية كان هيبقى سهل أعديها.
دي كانت ضحكة ناعمة ورقيقة وفيها كمية لؤم وشماتة.. من نوعية الضحك اللي بيقولك أنا قاصدة أئذيكِ ومحدش هيقدر يمنعني.
أختي منى مسكت دراعي جامد لدرجة وجعتني.
وهمست وهي بتترعش من الغل فاطمة، قولي كلمة واحدة وأنا هطربقها فوق دماغها دلوقتي.
بس أنا ما نطقتش.
بعد 18 سنة من التربية والتعب،
عايزة شوشرة.
وفيديو مهزوز بالموبايل.
وقصة تطلع فيها الأم الشقيانة اللي لابس فستان رخيص من المحلات الشعبية إنها مجنونة وعملت فوضى، في حين تطلع الزوجة الجديدة الجميلة هي الضحية والمظلومة.
أنا مانحتش في الصخر واشتغلت شفتات زيادة، ونمت على كنبة بتتفرد، وقعدت أخيط فساتين لحد الساعة 3 الصبح عشان أعالج ابني في عياه وأوصله للمعارض العلمية والمنح، عشان في الآخر أبقى مجرد مقطع فيديو تريند على صفحة هناء.
عشان كده، رجعت ورا ووقفت تحت يافطة الخروج الحمراء.
واستنيت.
أنا اسمي فاطمة أحمد، عندي 44 سنة، وخلال 18 سنة، كنت أنا الأم اللي دايماً حاضرة وساندة.
لما طارق سابنا، محمد كان عنده 6 سنين. قالي وقتها إنه زهق ومبقاش طايق العيشة، كأن الزوجة والطفل دول حتتين عفش مبقاش عايزهم في البيت. نقلت أنا وابني لشقة أوضة وصالة فوق مطعم في شارع بين السرايات. الدفاية كانت يدوب شغالة، وباب الحمام ما بيقفلش كويس. محمد أخد الأوضة، وأنا نمت على الكنبة اللي بتتفرد في الصالة.
الصبح كنت بتنظف عيادات السنان، وبالليل كنت بصلح وأقصر الفساتين والبدل لمحل مكوجي وتصليح لبس على بعد شارعين.. بقرش وقرشين عشان نعيش.
في الأسابيع الكويسة، كنت بقدر أشتري طلبات البيت من غير ما أبص في المحفظة
مصاريف طارق لابنه كانت دايماً بتتأخر أو تيجي ناقصة بحجة السيولة والأشغال، بس عمره ما فوت لقطة تصوير لما محمد ينجح في حاجة! جوائز معرض العلوم، شهادات التقدير، حفلات التكريم.. كان طارق ييجي متأخر مع هناء، ويتصوروا، ويمشوا فوراً بعد الصورة.
هو ده طارق..
أب في الصور بس.
بيحب اللقطة والتسقيف.
وملوش وجود في أي وقت زنقة.
محمد كان فاهم وملاحظ، العيال بتفهم كل حاجة. بس بدل ما يبقى شايل غل، بقى ساكت ومجتهد ومركّز جداً. على سنة رابعة ابتدائي كان بيحل مسائل رياضة صعبة وأنا قاعدة بخيط فساتين أفراح على ترابيزة المطبخ.
وفي الثانوي، المدرسين كانوا بياخدوني على جنب ويقولولي ابنك ده نابغة، خدي بالك منه.
وفعلاً أخدت بالي منه.
كنت بشوفه وهو بيقفل مشاريع الروبوتات على الأرض، ويكسب مسابقات الحساب وهو لابس جزمة مستلفة، ويروح في النوم وهو بيكتب مقالات المنح والقلم لسه في إيده.
عشان كده لما قالي الصبح أمي أوعي تتأخري، افتكرته متوتر من الحفلة.
بس هو ما كانش متوتر..
هو كان عارف حاجة أنا ما أعرفهاش.
الساعة 10 إلا ربع دخلت أنا ومنى القاعة.
10 إلا عشرة كنت واقفة ورا عند الحيطة.
الساعة 10 وخمسة هناء رفعت موبايلها، وراحت لافاه كأنها بتاخد سيلفي، بس وجهته ناحيتي وأنا واقفة تحت يافطة الخروج.
كانت
دليل إنها حطتني في المكان