امي ربتني لوحدها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أمي ربتني لوحدها، وكان طول عمرها بتقولي إن أبويا سابنا ومشي من قبل ما أتولد. بس بعد اتنين وعشرين سنة، وفي يوم تخرجى، ظهر قدامي وقال لي أمك كدبت عليك طول عمرك.
أمي كان عندها عشرين سنة بس لما حملت فيا. كانت لسه بتدرس في الجامعة، ورغم كده كانت بتشتغل ساعات طويلة، وتذاكر بالليل، وتدفع إيجار شقتنا الصغيرة، وبتعافر عشان توفر لنا لقمة العيش.
في كل عيد ميلاد ليا، كانت بتعمل كل اللي تقدر عليه عشان تحسسني إنه يوم مميز. كانت بتخبز الكيكة بنفسها، وتعلق زينة على الحيطان المقشرة، وتملى الأوضة بلالين. أنا عمرى ما شوفت أبويا، ولا حتى عمري شفت له صورة واحدة. كل ما كنت بسألها عنه، كانت بتقولي بس إنه مشي وسابنا من قبل ما أتولد.
دي كانت الحقيقة الوحيدة اللي أعرفها.
يوم تخرجي، أمي كانت واقفة وسط الناس، ودموعها في عينيها وهي شايفاني باستلم شهادتي. بعد الحفلة، اتصورنا مع بعض وإحنا بنضحك ومبسوطين كأن كل حاجة في الدنيا مثالية.
وفجأة لمحت راجل واقف قريب مننا، كان بيراقبني من ورا الزاوية.
في الأول منفضتش للموضوع وما اهتمتش.
بس بعد كده لقيت خطوته جاية علينا.
حط إيده على كتفي وابتسم.
وش أمي خطفه الدم واصفر تماماً.
وفي اللحظة دي، عرفت بالظبط

هو مين.
أبويا الحقيقي.
اتسمرت في مكاني ومبقتش عارف أتحرك.
كح كده ونضف صوته وقال يا ابني، أنا بقالي سنين بدور عليك. أنا أبوك.
أمي وقفت مبرقة ومش قادرة تنطق بكلمة.
بص عليها بصه سريعة، وبعدين رجع بصلي تاني وقال
أمك كدبت عليك طول حياتك. لو عايز تعرف الحقيقة واللّي حصل فعلاً من اتنين وعشرين سنة، لازم تسمعني.
حسيت بقلبي اتقبض وصدرى ضاق.
دموع أمي نزلت وهي بتصرخ وتترجاه لأ، أرجوك كفاية! ملقاش دعوة بابني ومتقولوش حاجة!
الراجل بص لأمي ببرود ونظرة كلها قسوة، وقال لها لأ يا هدى، جه الوقت اللي ابننا يعرف فيه الحقيقة، كفاية تمثيل لحد كده.
أنا كنت واقف في النص مشتت، باصص لأمي اللي كانت بتترعش ودموعها مش راضية تقف، وباصص للراجل اللي أول مرة أشوفه في حياتي وبيقول إنه أبويا. الدنيا لفت بيا ومبقتش شايف قدامي.
الراجل قرب مني خطوة كمان وقال أمك مفهمتك إني سبتكم ومشيت، صح؟ الحقيقة إني عمري ما سبتكم. أمك هي اللي خدتك وهربت زمان لما كنا متجوزين، وحرمتني منك وعيشتني في عذاب طول السنين دي وأنا قالب عليك الدنيا في كل مكان. هي اللي دمرت عيلتنا بغرورها وأنانيتها.
أمي صرخت بأعلى صوتها والناس بدأت تتلم حوالينا حرام عليك يا أحمد! اتقي الله! أنت
جاي تتبلى عليا وتدمر فرحة ابني يوم تخرجه؟ مين اللي رماه وهو لحم دم؟ مين اللي رفض يصرف عليه وقال ماليش دعوة بيه؟
أحمد ضحك باستهزاء وقال أنا كنت ببعت لك فلوس كل شهر، وأنتِ اللي كنتِ بترجعيها وتقولي مش عايزه منه مليم! اسألها يا عادل.. اسألها وخلّيها تحلف على المصحف إنها مرجعتش الفلوس دي وباعت دهبها لمجرد إنها تبعدني عنك!
بصيت لأمي وأنا مذهول، وسألتها بصوت مخنوق الكلام ده بجد يا أمي؟ هو كان بيسأل عليا؟
أمي غطت وشها بإيديها وقعدت في الأرض تبكي بحرقة وتقول يا ابني افهمني.. أبوك كان عايز ياخدك مني ويسفرك معاه بره مصر ويحرمني من ريحتك.. كان عايز يربيك بعيد عن ديني وعن بلدي.. أنا كنت بحميك!
الراجل زعق وقال كنت بضمن له مستقبله! وأنتِ عيشتيه في شقة حيطانها مقشرة وحرمتيه من أبوه!
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة كنت مصدقها في حياتي اتهدت. أمي اللي ضحت بكل حاجة عشان تربعني، طلعت مخبية عني نص الحقيقة، وأبويا اللي كنت فاكره ندل وسابنا، طلع كان بيدور عليا.. بس بطريقته الأنانية.
أمي بصت لي وهي بتترجاني بعينيها سامحني يا عادل.. أنا ربيتك بالحلال وعلمتك، وكنت بخاف عليك من الهوا الطاير.
بصيت لهم هما الاتنين، وشريط حياتي كله بيمر قدام عيني.
أخدت شهادة تخرجي في إيدي، ولقيت نفسي مش قادر أقف معاهم في مكان واحد. لفيت ضهري ومشيت وسبتهم هما الاتنين واقفين، وأنا مش عارف هروح فين، ولا هبص في وش أمي إزاي بعد النهاردة.
مشيت في شوارع القاهرة وأنا مش شايف قدامي، رجلي كانت بتتحرك لوحدها والشهادة اللي تعبت فيها سنين في إيدي ملهاش أي قيمة دلوقتي. الدنيا كانت بتلف بيا، وصوت زعيقهم وخناقهم لسه بيرن في ودني. كل خلايا عقلي كانت بتسأل مين فيهم الصادق ومين الكداب؟ هل أمي اللي سهرت وشقيت وضحت بعمرها كله عشان تطلعني راجل، ممكن تكون أنانية لدرجة إنها تحرمني من أبويا؟ ولا أبويا اللي ظهر فجأة بعد اتنين وعشرين سنة جاي يرمي سمّه ويهد البيت اللي اتبنى بالدموع والشقى؟
قعدت على قهوة عادية على الرصيف، طلبت كوباية شاي ودموعي نزلت غصب عني. الراجل صاحب القهوة، راجل كبير وشكله طيب، جابلي الشاي وبص في وشي وقالي استعيذ بالله من الشيطان يا ابني، مفيش حاجة في الدنيا تستهل دموع الشاب يوم تخرجه، افرح بشهادتك. هزيت راسي وأنا بقول في سري يا ريتها كانت على قد الشهادة يا عم الحاج.
طلعت تليفوني، لقيت مكالمات كتير وفايتة من أمي، ورسائل تترجاني فيها أرجع وأسمعها. وفي وسط ده كله، لقيت رسالة من رقم
غريب.. كانت من أحمد، أبويا. كاتبلي
تم نسخ الرابط