امي ربتني لوحدها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

فيها أنا مستنيك في العنوان ده ... بكره الساعة 5، وعندي كل الأوراق والمستندات اللي تثبت إني مكنتش ظالم، والقرار يرجعلك يا ابني.
فضلت طول الليل صاحي، مروحتش البيت. نمت عند واحد صاحبي بعد ما حكيتله إني تعبان ومحتاج أرتاح ومروحتش لأمي. وتاني يوم، صليت العصر واستخرت ربنا، وقررت إني لازم أواجه الإتنين، بس هبدأ بأبويا الأول عشان أشوف آخره إيه.
رحت العنوان، كان مكتب كبير وفخم في منطقة راقية. دخلت وقعدت قدامه. أول ما شافني، عينيه لمعت بدموع حقيقية أو هكذا ظهرلي، وقام حضني، بس أنا كنت ناشف ومش قادر أبادله الحضن. قعد وطلعلي ملف قديم، فتحه ووراني وصولات أمانة وحوالات بنكية باسم أمي، كلها رجعت من البنك بملحوظة مرفوض من المستلم.
أحمد قال بصوت هادي وفيه حزن أنا مش جاي أهد حياتك يا عادل، أنا جاي آخد حقي فيك. أمك كانت بتغار من عيلتي ومن نجاحي، ولما اختلفنا، قررت تحرق قلبي عليك. أنا كنت مستعد أعيشك في أحسن مستوى، بس هي اختارت العند. والنهاردة أنت راجل متعلم ومسؤول، وتقدر تحكم بنفسك.
أخدت الورق في إيدي، وبصيت له وقولتله الورق ده يثبت إنك حاولت تبعت فلوس.. بس ما يثبتش إنك حاولت تقف على الباب وتخبط وتشوف ابنك عيان ولا جعان. الفلوس
مش كل حاجة يا أستاذ أحمد. سبته وقمت من غير ما أسمع رده، ومشيت وأنا حاسس إن في جزء من الحقيقة معاه، بس الأكيد إن طريقته كانت غشيمة وأنانية.
رجعت البيت لأمي. أول ما فتحت الباب، لقيتها قاعدة على سجادة الصلاة، وشها دبلان وعينيها حمرا من كتر البكا، وبتدعي ربنا وهي بتبكي بحرقة. أول ما شافتني، قامت جريت عليا وحضنتني وهي بتترعش وتقول سامحني يا ابني.. والله ما أردت إلا الخير ليك.. كنت خايفة ياخدك مني ويسافر ومشوفكش تاني.. أنا مليش غيرك في الدنيا.
نزلت على ركبي قدامها، ومسكت إيديها وبستها. قولت لها يا أمي، أنا مش زعلان منك، وأنا عارف إنك شيلتيني في عينيكي وعيشتيني بالحلال ودخلتيني أحسن مدارس وجامعات بعرقك وشقاكي.. أنا عمري ما هنسى فضلك، ودينك في رقبتي ليوم الدين. أمي ارتاحت ودموعها نزلت بس المرة دي دموع راحة.
كملت كلامي وقولت لها بس يا أمي، الغلط غلط.. كان لازم تقوليلي الحقيقة وماتعيشينيش في كدبة، كان لازم تسيبيني أنا اللي اختار لما أكبر. الكدب عمره ما كان حماية.
الحكاية مخلصتش بنهاية سعيدة ومثالية، ومفيش حاجة رجعت زي الأول. أنا مابقتش عادل بتاع زمان، بقيت راجل شايل هم تقيل وشايف الدنيا على حقيقتها. مبقتش بقاطع أبويا،
بقيت بشوفه من وقت للتاني بحدود ومن غير ما يتدخل في حياتي، لأن صلة الرحم فرض، بس هيفضل مكانه في حياتي مجرد خط عابر. أما أمي، ففضلت هي بيتي وسندي وأماني، لأن اللي شال في وقت الشدة وبنى، مش زي اللي ظهر وقت الحصاد عشان يهد.
مرت الأيام والشهور، وبدأت أستلم أول شغل ليا بعد التخرج. نزلت معترك الحياة بجد، وبقيت بشتغل الصبح وبالليل عشان أثبت نفسي وأشيل عن أمي حمل السنين. في وسط طاحونة الحياة دي، بدأت أفهم الدنيا بنظرة تانية.. نظرة الراجل اللي بيواجه المسؤولية، مش الشاب الصغير اللي مستني الدعم من حد.
أبويا، أحمد، حاول بكذا طريقة إنه يجر رجلي لحياته. كان بيعرض عليا عربية، ويدخلني في مشاريع معارفه، وبيحاول يعوضني عن سنين الحرمان بالفلوس والمظاهر. في الأول، الشيطان لعب في دماغي، وقولت لنفسي ما ده حقي، وده تعويض عن الأيام اللي عيشتها محروم. بس كل ما كنت بفتكر كلامه عن أمي يوم تخرجي، وكأنه جاي يصفّي حسابات قديمة مش جاي يدور على ابنه بحب، كنت بتراجع.
في يوم، جالي اتصال من سكرتيرة مكتبه، صوتها كان متوتر وقالت لي أستاذ عادل، والدك تعب فجأة ونقلوه المستشفى في العناية المركزة، وهو طالب يشوفك.
الدنيا اسودت في عيني للحظة. رغم كل
اللي عمله، ورغم الجرح اللي سابه جوايا، إلا إن غريزة الابن حركتني. لقيت نفسي بجري على المستشفى، ورجلي بتشيلني بالعافية. أول ما وصلت، شوفت عيلته التانية مراته وأولاده واقفين بره، وبصولي بنظرات فيها قلق واستغراب، بس أنا مكنش يهمني نظرات حد.
دخلت له الأوضة.. كان متعلق له أجهزة كتير، ووشه اللي كان مليان كبرياء وفخر يوم التخرج، بقى شاحن وضعيف. أول ما شافني، حاول يبتسم ومد إيده ليا بصعوبة.
مسكت إيده، ولقيت نفسي بقوله شد حيلك يا بابا.. ربنا يشفيك ويعافيك. دي كانت أول مرة في حياتي أنطق فيها كلمة بابا. الكلمة طلعت تقيلة بس كان لازم تطلع، لأن الموت والمرض مفيش فيهم كبر.
بصلي وعينيه دمعت، وقال بصوت واطي ومبحوح سامحني يا عادل.. أنا ضيعت عمري كله في العند مع أمك، وكنت فاكر إن الفلوس والنفوذ هيعوضوا أي حاجة.. بس لما قعدت على السرير ده، عرفت إن مفيش حاجة تسوى نظرة رضا من ابنك. أنا كتبت لك نصيبك الشرعي في كل حاجة ومأمن مستقبلك.. بس أنا محتاج أسمع منك إنك مسمحني.
في اللحظة دي، افتكرت كلام ربنا عن بر الوالدين والإحسان ليهم حتى لو اختلفنا معاهم. قولت له ونفسي راضية مسامحك يا بابا، ربنا يغفر لنا جميعاً ويقومك بالسلامة.
قعدت معاه
ساعات، لحد ما
تم نسخ الرابط