امي ربتني لوحدها حكايات صافي هاني
حالته استقرت والدكاترة طمنونا. وأنا خارج من المستشفى، حسيت إن في جبل انشال من على صدري. كلمت أمي وحكيت لها على اللي حصل.. أمي سكتت شوية، وسمعت صوت تنهيدتها الطويلة اللي طالعة من قلبها، وقالت لي بصوت مليان إيمان ورضا أنت عملت الصح يا ابني.. اتقي الله فيه وزوره، أنا خلاص مسامحة في حقي عشان خاطرك، وعشان ربنا يبارك لك في دنيتك وأخرتك.
أمي عظيمة.. عظيمة في شقاها وعظيمة في عفوها.
النهاردة، وأنا واقف في بلكونة شقتنا القديمة، باصص على الشارع وبشرب كوباية الشاي اللي بتفكرني بكل ليلة سهرت فيها أمي تدعيلي. الحكاية بدأت بصدمة هزت كياني، وشرخت ثقتي في أغلى الناس ليا، بس النهاية مكانتش انتقام ولا قطيعة. النهاية كانت درس رباني كبير.. إن البيوت بتتبني بالصبر والأصل، وإن الحقيقة مهما كانت مُرة، المواجهة فيها بالحق والرحمة هي اللي بتداوي القلوب.
أنا عادل.. ابن الست اللي شقيت وربت بالحلال، وابن الراجل اللي عرف غلاوة ابنه وت Hourly ولو متأخر.. والحمد لله اللي جعلني بار بيهم هما الاتنين، وخرجت من المحنة دي راجل بجد.
مرت سنتين على المحنة دي، والحياة دارت بينا وفتحت لنا أبواب جديدة. أبويا خرج من المستشفى صحته على قد حاله، بس العلاقة بيننا بقت أهدى وفيها احترام للمسافات. الفلوس والميراث اللي كان بيتكلم عنهم بقوا في إيدي فعلاً، بس أنا صممت آخد طريقي بنفسي؛ فتحت شركة هندسة صغيرة مع اتنين من زمايلي، وربنا كرمني وبدأت تكبر وتسمّع في السوق.
كنت كل شهر باخد جزء من أرباح الشغل ده وأروح بيه لأمي، أحطه تحت رجليها وأقول لها ده عرق ابنك يا أمي، وده مال حلال ميه في الميه ملوش علاقة بفلوس حد.. ده بركتك ودعاكي. كانت بتاخدهم وتدعيلي وهي عينيها مليانة فخر، وتوزع جزء منهم لله بنية الشكر والحمد.
وفي يوم، وأنا قاعد معاها بنشرب الشاي بعد صلاة المغرب، بصت لي وقالت لي بصوت حنين عادل يا ابني.. أنت بقيت راجل ملء هدومك، وصاحب عمل، وربنا فتحها عليك.. مش جِه الوقت بقى نفرح بيك وأشوف عيالك قبل ما أقابل وجه كريم؟
ابتسمت وقولت لها يا ست الكل، هو أنا هجيب حد يحبني ويخاف عليا زيك؟
قالت لي يا حبيبي دي سنة الحياة، وأنا نقيت
سبت نفسي لاختيار أمي، ولما رحت اتعرفت على البنت وأهلها، حسيت براحة غريبة في صدري؛ بنت ناس، ومتربية على الأصول والدين، وشكلها وش السعد عليا.
يوم كتب الكتاب، صممت إن الفرح يكون في مسجد كبير. كتبت كتابي وأنا حاسس إن ربنا بيعوضني عن كل الوجع اللي عيشته. وفي وسط الزحمة والمباركات، لقيت الباب بيتفتح، ودخل أبويا أحمد وهو ساند على عصايته وبيمشي بالعافية، وجايب معاه عيلته.
الجامع كله سكت للحظة، وعيني راحت تلقائي على أمي اللي كانت قاعدة في مكان الستات وراء الستارة.
أبويا قرب مني وعينيه بتلمع بالدموع، حضني وقال لي مبروك يا باشمهندس، مبروك يا ابن عمرى.. كان نفسي أكون أول واحد يبارك لك. في اللحظة دي، شوفت أمي بتتحرك من مكانها، قربت مننا وبصت لأبويا؛ نظرة مفيهاش عتاب ولا غل، نظرة كلها سلام داخلي وعفو خالص لوجه الله.
أمي بصت له وقالت بصوت هادي ومسموع الله يبارك فيك يا بو عادل.. عقبال ما تفرح بأولادك الباقيين.
أبويا وطى راسه، وبان عليه التأثر الشديد، وقال لها الله يكرم أصلك يا هدى.. أنتِ عيشتي راجل، وربيتي راجل، وأنا اللي خسرت.
اللقطة دي كانت هي المسك اللي قفل كل الجروح القديمة. مفيش أحضان مبالغ فيها، ومفيش رجوع لأيام زمان، بس كان فيه رضا وتسامح حقيقي، وتطبيق لقول الله تعالى وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
النهاردة، وأنا باخد مراتي في إيدي وبندخل شقتنا الجديدة، بصيت للسما وقولت الحمد لله.
الحمد لله اللي ألهمني الحكمة ومخلانيش أكون عاق لأبويا رغم قسوته، ولا جاحد لأمي اللي شقيت عشان برشتي تطلع للسما. القصص مبتبقاش دايماً وردية، والناس مش ملايكة، بس لما بنمشي بما يرضي الله وندور على الأصول، ربنا بيصفي النفوس وبيدي كل واحد على قد نيته.
أنا عادل.. ودي كانت حكايتي، حكاية صدمة هزتني، بس في الآخر صنعت مني الراجل اللي أنا عليه النهاردة.
ومرت السنين، وبقيت أب.. جالي ولد وبنت، وسميت الواد أحمد على اسم أبويا، والبت هدى على اسم أمي. في اليوم اللي شيلت فيه ابني الصغير بين إيدّيا، وسمعت
أبويا توفاه الله بعد جوازي بثلاث سنين، بس مات وهو راضي عني، مات وأنا واقف جنبه في مرضه الأخير وبدعي له. ساب لي ورث كبير، بس الورث الأكبر كان الدرس اللي اتعلمته منه إن الفلوس من غير لمة وعيلة ملهاش أي عازة.
أما أمي.. الست هدى، فدي بقى بقت بركة البيت. نقلتها تعيش معايا في بيتي الجديد، ومبقتش أسيبها تعمل أي حاجة. كبرت وبقت صحتها على قدها، وجسمها انحنى من شقى السنين، بس وشها لسه منور بالإيمان والنور.
في ليلة من
ليالي الشتا، وأنا راجع من الشغل تعبان وشايل هموم الدنيا، دخلت أوضتها لقيتها قاعدة على السرير وبتسبح. أول ما شافتني، ابتسمت الابتسامة اللي بتنسيني اسمي. قعدت تحت رجليها، وقولت لها تعبان يا أمي.. الحمل تقيل والدنيا بقت صعبة.
حطت إيدها المليانة تجاعيد على راسي، وطبطبت عليا وقالت بصوتها الحنين اللي يداوي العليل يا حبيبي، طول ما لقمة الحلال بتدخل جوفك، وطول ما أنت ساجد لربك، متخافش من حاجة. الدنيا دي دار ممر، والراجل بيبان في الشدة. أنا شقيت في صغري عشان أشوفك الراجل ده، ومستخسرتش فيك عمري.. ادعيلي بس يا عادل بالستر وحسن الخاتمة.
بست إيدها وراسها وقولت ربنا يبارك في عمرك يا ست الكل، أنتِ اللي عملتيني.
النهاردة، وأنا واقف وسط عيلتي، وباصص لأولادي وهم بيلعبوا حوالين جدتهم، عرفت إن الحكاية مكنتش مجرد دراما عائلية أو خناقة على ورق وفلوس. الحكاية كانت اختبار من ربنا ليا.. هل هختار القسوة والعند والقطيعة، ولا هختار الأصول والرحمة والبر؟
الحمد لله إني اخترت طريق ربنا. البيوت المهدودة مبتتبنيش بالغل، بتتبني بالتسامح وبأننا نعدي لبعض عشان المركب تمشي. أنا عادل، عيشت حكاية صعبة، بس نهايتها كانت رضا من ربنا، وراحة بال ملوش مثيل. ودي أقصى حاجة ممكن إنسان يتمناها في الدنيا.
الزمن جري بيا، ولقيت نفسي النهاردة بحتفل بمرور عشر سنين على تأسيس شركتي. الشركة كبرت وبقى ليها اسم محترم في السوق، ومكتبي مابقاش مجرد أوضة صغيرة، بقى مبنى كامل فيه
في يوم الحفلة اللي عملناها بمناسبة النجاح ده، كنت واقف لابس بدلتي، وباصص للناس وللشركاء وهم بيهنوني. وفي وسط الزحمة دي، عيني راحت على ركن هادي في القاعة.. كانت قاعدة مراتي وصياني، وجنبها ابني أحمد وبنتي هدى اللي بقوا في الابتدائي، وفي النص كانت قاعدة الملكة بتاعتي.. أمي.
رغم تعب السنين ورغم إنها بقت بتحرك بكرسي متحرك، إلا إن عينيها كانت بتلمع بنفس الفخر والدموع اللي شوفتها في عينيها يوم تخرجي من اتنين وعشرين سنة.
سيبت كل رجال الأعمال والمهندسين والناس المهمة، ورحت مشيت ناحيتها. نزلت على ركبي قدام كرسيها وسط ذهول كل الموجودين في القاعة. مسكت إيدها وبستها وقولت لها بصوت مسموع الشركة دي، والنجاح ده، والاسم ده.. كله بتاعك أنتِ يا أمي. أنا مجرد ثمرة لشقاكي ودعاكي في جوف الليل.
أمي دمعت وطبطبت على كتفي وقالت رفع راسي يا ابن عمري، ربنا يجعلك دايماً سند للغلبان ويجعل مالك حلال ويزيدك من فضله.
في اللحظة دي، افتكرت أبويا أحمد.. افتكرت إني برضه مسبتش حقه؛ رحت لولاده إخواتي من أبويا ودخلتهم معايا شركاء في مشاريع تانية، ووقفت جنبهم لحد ما بقوا رجالة وواقفين على رجليهم. مخلتش الغل القديم يورث للجيل الجديد، وجمعت العيلة اللي كانت متفرقة، وبقوا أولادي وأولادهم عيلة واحدة بيحبوا بعض ويخافوا على بعض.
وأنا قاعد بالليل في بيتي، بعد ما هديت الدنيا، دخلت أوضة أولادي عشان أطمن عليهم وهم نايمين. بوست أحمد وبوست هدى، ولقيت نفسي ببتسم وبقول في سري يا رب أكون أب صالح ليهم زي ما أمي كانت أم صالحة ليا، ويا رب أطلعهم على الأصول والدين والحلال.
الحكاية اللي بدأت بكسرة قلب ودموع وصدمة يوم التخرج، انتهت بأكبر نصر ممكن إنسان يحققه في حياته.. نصر النفس على الشيطان، ونصر الرحمة على الانتقام. الدنيا مش دايماً بتديك اللي أنت عاوزه، ومفيش حد حياته كاملة، بس الشاطر هو اللي بياخد المحنة ويقلبها منحة بفضل ربنا.
أنا عادل.. ودي كانت حكايتي الكاملة. حكاية شاب مصري، أمه ربته على الحلال، وأبوه غلط بس رجع، وهو اختار إنه يعيش ب اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ.. والحمد لله رب