ابويا وامي رموني في الشارع حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أبويا وأمي رموني في الشارع وأنا عندي 12 سنة عشان درجاتي في المدرسة، وقالوا لي ملمحش وشك هنا تاني. بعد سنين طويلة، وقفوا يتريقوا عليا قدام شركتي، ولسه شايفيني حتة عيل مالوش لازمة. وقتها بصيت في عيونهم وقلت لهم: "بنتكم الغالية؟ مطرودة."
​كان عندي 12 سنة بالتمام والكمال الليلة اللي أهلي رموني فيها في الشارع.
​لا كنت بتاع مخدرات.
​ولا كنت بحرمي.
​ولا كنت واد صايع وبتاع مشاكل.
​كل الحكاية.. درجاتي كانت وحشة في المدرسة.
​أبويا هبد الشهادة بتاعتي على ترابيزة المطبخ، وأمي كانت واقفة جنبه ومربعة إيديها، وعينيها كانت كلها غل وقسوة.
​زعق فيا وهو بيصرخ: "جايب تلات مقادير؟ أنت عيل فاشل ومالكش أي عازة!"
​فاكر كويس إني كنت بترعش لدرجة مش قادر أخد نفسي. كنت بقالي شهور بعافر في المدرسة بسبب العيال اللي كانوا بيتنمروا عليا طول الوقت، ده غير إني كان عندي عسر قراءة ومحدش عالجني منه، ومحدش أصلاً كان مهتم يلاحظ.
​همست وأنا خايف: "هشد حيلي والله وهبقى أحسن."
​أمي ضحكت بمرارة وقالت: "إحنا زهقنا من رمي الفلوس عليك في الأرض."
​وبعدها أبويا فتح باب الشقة.
​"اطلع بره."
​جسمي اتجمد في مكاني.
​شاور بإيده على الشارع الضلمة وقال:

"إياك توريني وشك هنا تاني غير لما تبقى بني آدم يستاهل اللقمة اللي بياكلها."
​كنت فاكرهم هيجوا ورايا ويهدوا اللعب.
​بس ده مصلش.
​الليلة دي، نمت ورا محطة بنزين واستغطيت بكراتين فاضية، ومطرة الليل غرقت هدومي كلها.
​كنت عيل عنده 12 سنة.
​وعلى مدار الست سنين اللي بعدهم، حياتي كلها بقت عبارة عن صراع عشان أعيش بس. نمت في ملاجئ، وفي لوكاندات رخيصة. اشتغلت في المعمار، وورديات ليل غسيل أطباق. كنت ببتأخر في سني وبكذب طول الوقت بس عشان ألاقي لقمة آكلها.
​وفي وسط التعب والغل اللي جوايا...
​بقى عندي هوس بحاجة واحدة بس.
​إني عمري ما أحتاج لمخلوق تاني.
​وأنا عندي 19 سنة، بدأت أصلح تليفونات مستعملة في كشك صغير مأجره. بعدها اتعلمت البرمجة أونلاين من كمبيوترات المكتبة العامة ببلاش. بعد سنيتن، عملت أبلكيشن لإدارة شحن وتصليح الموبايلات لمحلات الإلكترونيات الصغيرة.
​الأبلكيشن ده.. بقى شركة "NexusLoop Technologies".
​بعد عشر سنين، شركتي بقت قيمتها أكتر من تمانين مليون دولار.
​بس كل النجاح ده اتمحى من دماغي في العصر الرمادي اللي شوفت فيه أهلي تاني.
​كنت خارج من مقر الشركة الرئيسي ولابس بدلة شيك جداً فحمى متفصلة عشاني، والموظفين
حواليا بيجروا يمين وشمال بيجهزوا لاجتماع مستثمرين كبير. والعربيات المرسيدس والبي إم رصيفة قدام برج الشركة الإزاز في وسط البلد.
​وفجأة، سمعت ضحكة أمي.
​"يا محاسن الصدف.. شوف مين هنا."
​لفيت وشي براحة.
​أبويا وأمي كانوا واقفين عند المدخل، وجنبهم بنت شابة لابسة براندات غالية جداً وماركات من بره.
​أختي الصغيرة، "راشيل".
​البنت المدللة.. اللي كل طلباتها مجابة.
​البنت اللي رضوا يربوها وسابوني أنا.
​أبويا بص لبدلي وابتسم بسخرية: "الهدوم الغالية دي مش هتداري إنك لسه واد مالكش قيمة."
​الموظفين اللي كانوا واقفين قريب حسوا بالإحراج وبدأوا يبعدوا.
​راشيل ربعت إيديها بكل فخر وقالت: "بابا قالنا إنك شغال هنا بالصدفة."
​كنت هبتسم.
​بالصدفة؟
​كلمة غريبة ولطيفة صراحة.
​وبعدها راشيل كملت بفخر أعمى: "على فكرة، أنا جاية هنا النهارده عشان عندي إنترفيو الترقية بتاعي."
​الكلام ده شد انتباهي.
​بصيت لها بتركيز.
​راشيل كانت شغالة في قسم الإدارة الإقليمية لشركة NexusLoop.
​مكانتش تعرف خالص مين صاحب الشركة دي اصلاً.
​والظاهر إن أبويا وأمي هما كمان مكانش عندهم أدنى فكرة.
​أمي قربت مني وبصتلي بنظرة باردة وقالت: "المفروض تكسف على
دمك بعد ما رميت أهلك واتخليت عننا."
​بصيت لها وأنا مش مصدق اللي بسمعه.
​اتخليت عنكم؟
​ده أنتوا اللي رميتوا عيل صغير في الشارع!
​وفجأة، الكارت الذكي بتاع راشيل وهي بتمشيه على بوابة الدخول صفر بـ لون أحمر.
​"تم رفض الدخول."
​حواجبها اتقفلت وقالت: "إيه القرف ده.. فيه إيه؟"
​وفي نفس اللحظة دي بالظبط، رجالة الموارد البشرية (HR) ومعاهم الأمن خرجوا من الأبواب الرئيسية للشركة.
​راشيل كانت واقفة مذهولة ومش فاهمة حاجة.
​وقتها وبكل برود، قلت الكلمتين اللي خلوا وشوشهم التلاتة تقلب زي السبورة البيضا من الصدمة:
​"بنتكم الحبيبة؟"
​سكت ثانية واحدة.
​"مطرودة."

... وبصيت لمدير الموارد البشرية اللي كان واقف جنبي مستني إشارتي، وهزيت راسي ليه.
​الراجل قرب من راشيل بكل جدية ومد إيده بظرف أبيض مقفول وقالها: "آنسة راشيل، تقدري تستلمي كشف مستحقاتك الأخيرة من مكتب الحسابات برة البرج. الشركة مابقاش ليها أي علاقة بيكي من اللحظة دي."
​أمي فتحت بقها من الصدمة، وعينيها كانت هتطلع من مكانها: "أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ أنت عارف أنت بتكلم مين؟ دي أشطر موظفة في المكان! وبعدين الواد الفاشل ده ماله ومال رفدها؟!"
​مدير الأمن بتاع الشركة

اتدخل ووقف في النص وقال بنبرة حاسمة: "يا مدام، اتفضلي

تم نسخ الرابط